انطلقت فعاليات الدورة السبعين من مهرجان لندن السينمائي (BFI)، بالعرض الأوروبي الأول لفيلم "إلسينور" (Elsinore)، وهو العمل الذي أثار مشاعر الجمهور داخل قاعة "رويال فيستيفال هول"، ودفع عددًا كبيرًا من الحاضرين إلى مسح دموعهم مع ظهور شارة النهاية وبعد لحظات قليلة، ومع صعود بطل الفيلم أندرو سكوت إلى المسرح، تحولت مشاعر التأثر والبكاء المكتوم إلى هتافات حماسية وتصفيق حار من الجمهور وقوفًا، في مشهد استثنائي كسر الطابع البريطاني المعروف بالتحفظ، تعبيرًا عن تقديرهم للممثل وأدائه.
ويتولى سيمون ستون إخراج فيلم "إلسينور"، استنادًا إلى سيناريو كتبه سيمون بيريسفورد، وسط توقعات بأن يكون العمل أحد أبرز المنافسين خلال موسم الجوائز. ويجسد أندرو سكوت في الفيلم شخصية الممثل الأسكتلندي الشهير إيان تشارلسون، بطل فيلم "عربات النار" (Chariots of Fire).
وتدور أحداث الفيلم حول مرحلة محورية من حياة تشارلسون، الذي تولى عام 1989، رغم معاناته من مضاعفات مرض الإيدز، أداء دور "هاملت" على خشبة المسرح الوطني في لندن، خلفًا للممثل دانيال داي لويس، الذي غادر المسرح في منتصف العرض، ولم يعد إلى المشاركة في العمل مرة أخرى. وعلى الرغم من الإشادات النقدية الواسعة التي حظي بها تشارلسون عن أدائه للدور، فإنه توفي بعد سبعة أسابيع فقط من انتهاء مشاركته في المسرحية.
وخلال كلمته على المسرح قبيل انطلاق العرض الأول، قدم المخرج سيمون ستون طاقم العمل، مشيرًا إلى أندرو سكوت بوصفه "أندرو سكوت العظيم". ورغم أن سكوت لم يتحدث مطولًا قبل بدء عرض الفيلم، فإنه حرص على تقديم فقرة خاصة عقب انتهائه، دعا خلالها إلى المنصة عددًا من الشخصيات الحقيقية التي يتناول الفيلم قصصها، إلى جانب الممثلين الذين جسدوا أدوارهم.
وضمت قائمة المدعوين ليندا تولهيرست، التي جسدت شخصيتها الممثلة مونيكا دولان، وهي موظفة الاستقبال بالمسرح الوطني التي أمضت 46 عامًا في العمل بالمؤسسة، ورالف ميلز، الذي جسد دوره بول شاهيدي، وهو أحد مسؤولي الملابس المخضرمين بالمسرح، فضلًا عن المخرج شون ماثياس، الذي أدى دوره ماثيو بيرد، وهو صديق مقرب لإيان تشارلسون.
ومع ذلك، حظيت الدكتورة مارجريت جونسون بالنصيب الأكبر من تصفيق الجمهور، الذي استقبلها بحفاوة بالغة ووقف تحية لها. وتجسد شخصيتها في الفيلم الممثلة أوليفيا كولمان، فيما تعد جونسون من أبرز الاستشاريين المتخصصين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) ومرض الإيدز.
وقال أندرو سكوت خلال تقديمه لها: "من الصعب التقليل من شأن الأثر الذي أحدثته هذه السيدة في تطوير علاجات للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) ومرض الإيدز؛ ففي نظرنا، هي بطلة حقيقية".
وفي ختام كلمته، قدم سكوت أغنية من ألبوم "The Ethel Merman Disco Album"، الذي يعد من الأعمال الكلاسيكية المرتبطة بأسلوب "الكامب"، القائم على المبالغة الفنية والاحتفاء بالأداء الاستعراضي، وهي الأغنية التي يتضمنها الفيلم تكريمًا لروح إيان تشارلسون.
وأكد سكوت أن الهدف من هذا التكريم لا يقتصر على استحضار ذكرى وفاة تشارلسون، بل يمتد إلى الاحتفاء بحياته وما اتسمت به من تميز وحيوية ودفء وشغف وموهبة. وقال: "نريدكم ألا تتذكروا وفاة إيان فحسب، بل أن تتذكروا أيضًا كيف عاش حياته بشكل استثنائي، مفعمًا بالأناقة والحيوية والدفء والسحر والشغف والموهبة"، مضيفًا أن الأغنية "تجسد شخصية هذا الرجل الذي أحب هذا المجال الفني كثيرًا".
وفي لفتة عكست روح الاحتفاء بالحياة والفن، دعا سكوت الجمهور، بصورة غير مباشرة، إلى مغادرة القاعة على إيقاع الأغنية، مختتمًا حديثه بالقول: "لقد رحل وهو يؤدي فنه، لذا فهذه الأغنية مهداة لك يا إيان. نحن نحبك".
وفي تصريحات لمجلة "فارايتي" قبيل العرض الأول، تحدثت كريستي ماثيسون، رئيسة مهرجان لندن السينمائي (LFF)، عن اختيار فيلم "إلسينور" لافتتاح فعاليات الدورة السبعين، مشيرة إلى أنها شاهدت العمل للمرة الأولى خلال فصل الصيف، برفقة زملائها، بعدما حظي بإشادة نقدية واسعة عقب عرضه الأول في مهرجان "تيلورايد".
وقالت ماثيسون: "لقد كان من تلك الأفلام التي تجعلك تشعر بضرورة التوقف للحظات لاستيعاب ما رأيته فور انتهائه؛ فقد تيقنا تمامًا من جودة الفيلم وتميزه منذ اللحظة التي انتهى فيها العرض".
وأوضحت أن اختيار "إلسينور" لافتتاح المهرجان في لندن لم يكن مناسبًا من الناحية الفنية فحسب، بل حمل أيضًا دلالة عاطفية خاصة، بالنظر إلى موقع العرض الافتتاحي، الذي يبعد أمتارًا قليلة عن المكان الذي قدم فيه إيان تشارلسون آخر عروضه المسرحية.
وأضافت ماثيسون: "أعتقد أنها ستكون لحظة مذهلة للغاية أن نعرض هذا الفيلم على مسافة قريبة جدًا، لا تتعدى رمية حجر، من المسرح الوطني(National Theatre). لذا، يبدو الأمر وكأننا نعيد هذا الفيلم إلى موطنه، وأنا أشعر بحماس وفخر كبيرين للقيام بذلك".
ومن المقرر أن تستمر فعاليات مهرجان لندن السينمائي خلال الفترة من 7 إلى 18 أكتوبر، بمشاركة مجموعة متنوعة من الأفلام التي تتصدر قائمة العروض الرئيسية، من بينها "Wild Horse Nine" و"La Bola Negra" و"Club Kid" و"Ink" و"Artificial" و"Primetime" و"The Debut".
كما تتضمن فعاليات المهرجان سلسلة من الجلسات الحوارية تحت عنوان"Screen Talks"، تستضيف عددًا من أبرز الأسماء في صناعة السينما، من بينهم داني بويل، وسينثيا إريفو، وصوفيا كوبولا، وخافيير بارديم، وجون مالكوفيتش، في إطار برنامج يسعى إلى الاحتفاء بالتجارب السينمائية المتنوعة وإتاحة الفرصة للجمهور للتعرف عن قرب على رؤى صناع الأفلام وتجاربهم الفنية.