الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

مخاوف من انتهاك آخر حصون الخصوصية.. قراءة الأفكار بين الطب والتحقيقات

  • مشاركة :
post-title
مخاوف أممية من الوصول إلى أفكار الأفراد

القاهرة الإخبارية - ياسمين يوسف

حذَّرت الأمم المتحدة من مخاطر التطور المتسارع للتقنيات العصبية، التي قد تتيح للحكومات الوصول إلى أفكار الأفراد والتأثير في حالاتهم الذهنية، داعية إلى وضع ضوابط قانونية تحمي حقوق الإنسان، في ظل اتساع نطاق استخدام هذه التقنيات خارج المجالات الطبية.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، في تقرير صدر أمس الخميس، إن "إساءة استخدام التقنيات العصبية قد تؤدي إلى الاحتجاز التعسفي، والتلاعب بالحالات الذهنية للأفراد، وانتهاك خصوصيتهم"، محذرًا من أن قدرة الحكومات على الوصول إلى بيانات الدماغ والتأثير فيها قد تشكل تهديدًا للحقوق الأساسية مستقبلًا، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

تحقيقات عصبية

أشار التقرير إلى أن التقدم في هذا المجال يثير مخاوف من استخدام تقنيات عصبية لاستخراج معلومات من أدمغة المشتبه بهم قسرًا، أو التنبؤ باحتمال تخطيط أشخاص لارتكاب جرائم مستقبلية.

وكتب جوتيريش أن استخدام التقنيات العصبية، بما فيها الأشكال الجديدة والناشئة منها، في منظومة العدالة يثير تحديات عميقة تتعلق بحقوق الإنسان، موضحًا أن انتقالها من البيئات الطبية إلى التحقيقات والإجراءات القضائية والمؤسسات الإصلاحية ينطوي على مخاطر كبيرة، إلى جانب فوائد محتملة.

ولمواجهة هذه التهديدات، أوصى التقرير بوضع قواعد تنظيمية تتوافق مع القانون الدولي، وتصنيف الأفكار باعتبارها بيانات شخصية شديدة الحساسية، واشتراط الحصول على موافقة صريحة قبل استخدام التقنيات العصبية في سياق العدالة الجنائية.

وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، جيريمي لورانس، إن "التقرير يمنح الدول فرصة لوضع قواعد واضحة لتنظيم استخدام هذه التقنيات على أساس حقوق الإنسان، قبل أن تصبح ممارسة معتادة في التحقيقات والمحاكم والسجون".

حماية حرية الفكر

ويرى مسؤولون وخبراء في مجال حقوق الإنسان أن التقرير يمثل خطوة مهمة لتعزيز الوعي العالمي بالمخاطر المحتملة للتقنيات العصبية، وقد يساعد الدول على تطوير قوانين تحول دون إساءة استخدامها.

وقال مارسيلو إينكا، أستاذ الأخلاقيات وعلم الأعصاب في الجامعة التقنية بميونيخ، إن مفهوم حرية الفكر لم يعد يقتصر على الأشكال التقليدية للتعبير، بل يشمل أيضًا حماية الأفكار الداخلية من الكشف عنها.

وتأتي التحذيرات الأممية وسط تحركات دولية متزايدة لحماية البيانات العصبية؛ ففي عام 2012، أدرجت تشيلي حماية نشاط الدماغ في دستورها، بينما أقرت ولايات أمريكية، بينها كاليفورنيا وكولورادو ومونتانا، قوانين لحماية البيانات العصبية، كما طُرحت تدابير مماثلة في الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والمكسيك.

تقنية مثيرة للجدل

وفي المقابل، تستخدم الشرطة الهندية منذ نحو عقدين تقنية تُعرف باسم "بصمة التذبذب الكهربائي للدماغ" (BEOS)، بهدف تحديد ما إذا كان المشتبه به قد تورط في جريمة.

لكن الأساس العلمي لهذه التقنية، التي تعتمد على قراءة موجات الدماغ، لا يزال محدودًا، ولم تحظَ بالتصديق من المجتمع العلمي الدولي.

وخلصت لجنة حكومية هندية عام 2008 إلى أن أداءها "دون المستوى الأمثل"، ورغم استخدامها في مئات القضايا الخطيرة، بينها جرائم قتل واغتصاب وإرهاب، لا تُقبل نتائج اختبارات هذه التقنية أدلةً في المحاكم الهندية.

بيانات بلا حماية

ولا يقتصر استخدام التقنيات العصبية على المؤسسات الحكومية، إذ تتوفر أجهزة قابلة للارتداء تساعد المستخدمين على مراقبة التوتر والنوم والتركيز، وسط تحذيرات من محدودية القواعد المنظمة لجمع بيانات الدماغ واستخدامها.

وفي عام 2024، حللت مؤسسة "نيورورايتس"، وهي منظمة دولية غير ربحية، سياسات الخصوصية لدى 30 شركة للتقنيات العصبية الاستهلاكية، ووجدت أن معظمها لا يفرض قيودًا على استخدام بيانات أدمغة العملاء، فيما تسمح أكثر من نصف الشركات صراحةً بمشاركة بيانات المستخدمين مع أطراف ثالثة.

وفي المقابل، أسهمت التقنيات العصبية في تطوير علاجات للمرضى المصابين بإصابات خطيرة في الدماغ أو الحبل الشوكي، إذ ساعدت واجهات الدماغ والحاسوب بعض المصابين بالشلل على كتابة جمل عبر تخيل حركة الكتابة، وتحريك أطراف روبوتية، ولعب الشطرنج عبر الإنترنت باستخدام أفكارهم، ما يبرز أهمية الموازنة بين فوائد هذه التقنيات وضمان حماية الحقوق الأساسية.