في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تقف الطالبة الفلسطينية هيا شكري سرحان، أمام ركام ذكرياتها لتستحضر بدايات دراستها الإعدادية في "مدرسة زهرة الإعدادية".. تلك البداية التي لم يكد يمضي عليها شهر واحد حتى تلاشت ملامح الاستقرار، مع اندلاع الحرب وانقطاع المسيرة التعليمية الوجاهية.
تحدثت "هيا" (12 عامًا) عن رحلة نزوحها الشاقة التي اضطرتها إلى التنقل نحو منطقة المواصي ثلاث مرات تواليًا، وبينما كان النزوح ينهك جسدها، كان عقلها مشتتًا وسط مشاعر الرعب والنزوح المتكرر.
ومن بين ركام الأحداث، تبسط هيا ذاكرتها على أجمل الأيام التي عاشتها قبل الحرب، محتفظة بـ"يوم المعرض المدرسي السنوي والأنشطة المفتوحة" في ربيع عام 2023، ذلك اليوم الذي تحولت فيه المدرسة إلى ساحة مليئة بالألوان والطاقة الإيجابية والحياة، وهو اليوم الذي تتمنى بعودته استرجاع شغفها بالتعلم.
من جهته، أفاد صادق الخضور، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بأن قطاع التعليم في غزة تعرض لأضرار واسعة خلال السنوات الثلاث الماضية، طالت الأبنية المدرسية والجامعات والكوادر التعليمية والطلاب، مشيرًا إلى أن إعادة المنظومة التعليمية إلى مسارها الطبيعي ستحتاج إلى سنوات طويلة وتمويلًا ضخمًا.
وأوضح "الخضور" أن "أكثر من 90% من الأبنية المدرسية الحكومية في قطاع غزة تضررت"، بعدما كان القطاع يضم قبل الحرب 307 مبانٍ حكومية تستضيف 425 مدرسة، مشيرًا إلى أن أكثر من 273 مبنى تعرضت لأضرار بالغة، فيما لم يتجاوز عدد المباني التي تضررت جزئيًا نحو 40 مبنى.
وأضاف أن عددًا محدودًا جدًا من المدارس نجا من الأضرار، بينما تستخدم مدارس أخرى، حتى تلك التي تعرضت لأضرار محدودة، كمراكز إيواء، ما أدى إلى تقليص القدرة على توفير بيئة تعليمية مستقرة للطلاب.
وهن التعليم الإلكتروني
بالنسبة لطلاب غزة، كان انقطاع التعليم بمثابة السيف الذي يقصم الآمال، وقالت هيا إن "تجربة التعليم عن بُعد لم تكن كافية لردم الفجوة"، مضيفة: "كان التعليم الإلكتروني مجرد اسم لا نفهم منه شيئًا، فكيف لعقل مشتت بالخوف وعدم الاستقرار أن يستوعب دروسًا عبر الانترنت؟".
ولم تقف عقبات النزوح عند حد الحرمان من الفصول، إذ تحولت المدارس التي كانت تعج بالحياة والضحكات إلى مراكز إيواء للنازحين، وتدمّرت أركانها الجميلة.
ورغم محاولات الطفلة الالتحاق ببعض الأنشطة التعليمية والترفيهية في المراكز التعليمية، إلا أن هاجس الجهل وفقدان المستقبل كان يطاردها باستمرار، وقالت هيا: "كبرنا ونحن نفكر متى سنرجع إلى مدارسنا؟ وهل سنظل في هذه الحرب دون أمل في الحياة التعليمية؟".
وقال الخضور إن نحو 600 ألف طالب حُرموا من التعليم خلال سنوات الحرب، في وقت لجأت فيه الوزارة إلى التعليم الافتراضي كأحد الحلول البديلة، موضحًا أن عدد الملتحقين بالمدارس الافتراضية تجاوز في ذروته 350 ألف طالب، بينما عاد نحو 500 ألف طالب حاليًا إلى نقاط تعليمية، معظمها مقامة داخل خيام.
وأضاف أن آلاف الطلاب لا يزالون يتلقون التعليم عبر المدارس الافتراضية بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى النقاط التعليمية، أو نتيجة تعرضهم لإصابات بالغة، مشيرًا إلى وجود نحو 20 ألف طالب في مصر يتلقون تعليمهم عبر المدارس الافتراضية.
ذاكرة صغيرة تأبي النسيان
تتضاعف قسوة التجربة لدى "هيا" بفقدانها معلمتها الفاضلة وابنتها التي كانت زميلتها في الصف نفسه، هذا الفقدُ جعل كل محاولة للجري خلف الصفوف والدراسة محفوفة بتذكر أصوات القصف والضوضاء.
وروت هيا: "كلما جلست لأدرس، يشغلني صوت القصف ويسيطر عليّ الرعب.. أشتاق لأيامي البسيطة، حين كنت أستيقظ مبكرًا بكل سعادة للذهاب إلى المدرسة، وأتشارك الطعام مع صديقاتي ونتبادل الحديث عن أحلامنا المستقبلية في بيئة دافئة تشبه العائلة".
ولفت الخضور إلى أن أكثر من 6 آلاف معلم ومعلمة نزحوا أو فقدوا أماكن عملهم، فيما استُشهد نحو 800 في المدارس، إضافة إلى نحو 100 من الكوادر الأكاديمية في قطاع التعليم العالي، بينهم رؤساء جامعات.
كما أشار إلى استشهاد أكثر من 20 ألف طالب، وإصابة أعداد كبيرة منهم، فيما أصبح أكثر من 3 آلاف طالب من ذوي الإعاقة.
وأكد أن هذه الخسائر لا تقتصر على الجانب التعليمي، إذ تفرض على الوزارة توفير برامج خاصة للدعم النفسي والاجتماعي والمواءمة التعليمية للطلاب الذين فقدوا ذويهم أو منازلهم أو تعرضوا لإصابات وبتر في الأطراف.
حصص أسبوعية
وبيّن "الخضور" أن نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية تعمل حاليًا، وتستقبل الطلاب على ثلاث فترات يوميًا، من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، بواقع أربع حصص لكل فترة، وأوضح أن الطالب يتلقى حاليًا نحو 12 حصة أسبوعيًا، مقارنة بنحو 30 حصة أسبوعيًا قبل الحرب، ما أدى إلى تراكم فاقد تعليمي كبير.
وأضاف أن الوزارة اعتمدت نظام "الرزم التعليمية"، وهي مواد مكثفة وكتب مختصرة ومقننة، بهدف التركيز على المعارف والمهارات الأساسية وتعويض جزء من الفاقد التعليمي.
وأشار إلى أن نحو 30 ألف طالب لم يلتحقوا حتى الآن بأي شكل من أشكال التعليم، موضحًا أن الوزارة تعمل أولًا على الوصول إليهم وتحديد أوضاعهم، قبل وضع برامج خاصة لإعادتهم إلى المسار التعليمي.
وقال الخضور إن غزة تحتاج، بين المدارس الحكومية ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إلى ما لا يقل عن 500 مدرسة خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى تضرر أكثر من 100 مدرسة تابعة للوكالة، التي كانت تتولى تعليم نحو نصف طلبة القطاع.
ثماني سنوات للتعافي
وأوضح أن الوزارة تدرس الاعتماد على المدارس المؤقتة أو الوحدات الجاهزة، التي وصفها بخيار متوسط المدى يمكن أن يخدم لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، إلى حين إعادة بناء المدارس المدمرة.
وأشار إلى أن الوزارة تحتاج إلى نحو 600 مدرسة أو وحدة تعليمية، بينما يتطلب توفير المباني المؤقتة نحو 15 مليون دولار، في حين قد تتجاوز تكلفة إعادة بناء 600 مدرسة مليار دولار، على أساس تكلفة تتراوح بين 1.5 مليون ومليوني دولار للمدرسة الواحدة، مضيفًا أن هذا المبلغ لا يشمل النفقات التشغيلية والرواتب، موضحًا أن الاحتياجات الإجمالية قد تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار.
وقال الخضور إن خطة الوزارة لتعويض الفاقد التعليمي تقوم على تدخلات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، موضحًا أن المرحلة المتوسطة قد تحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات، فيما قد يستغرق عودة المنظومة التعليمية إلى مسارها الطبيعي ثماني سنوات على الأقل، إذا توفرت الإمكانات اللازمة لإعادة البناء والتشغيل.
طموح طفلة
رغم المأساة، تدرك هيا أن العلم هو السلاح الوحيد لبناء الغد وتجاوز آلام الحاضر، إذ اختتمت الطفلة الصغيرة كلماتها بنبرة يملؤها الإصرار، قائلة "كان التعليم قبل الحرب يسير بانتظام وأمان، واليوم نسعى لمواصلته لأن العلم طريقنا الوحيد.. أطمح للتفوق لأكون شخصًا نافعًا لمجتمعي وأسرتي، وأطالب بوقف هذه المعاناة وأن تتحد دول العالم لأجل طلاب غزة، لنعد إلى مدارسنا ونبني مستقبلًا أفضل دون خوف أو قلق".
واختتم الخضور حديثه قائلًا: "إن معاناة التعليم في غزة لا يمكن اختزالها في مقابلة واحدة"، معتبرًا أن القطاع التعليمي من أكثر القطاعات تضررًا، وأن السنوات الثلاث الماضية فرضت تحديات ضخمة على الموارد البشرية والمالية، فضلًا عن الحاجة إلى تدخلات نفسية واجتماعية للطلاب المتضررين".
مشروع إرهابي
حول تأثير الصدمات النفسية والنزوح المتكرر على قدرة الأطفال على التعلم والتحصيل الدراسي، ومدى إمكانية استعادة مستواهم التعليمي، صرح الدكتور علي شوشان، الطبيب والمعالج النفسي، بأن "فقدان الأطفال لسنوات من التعليم ينعكس سلبًا على مستوى إدراكهم وتحصيلهم الدراسي ونوعية حياتهم، مقارنة بأقرانهم الذين لم يتعرضوا لانقطاع التعليم"، مؤكدًا أن التعليم يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء مستقبل الطفل وتكوين شخصيته.
وأوضح "شوشان"، خلال حديثه مع موقع "القاهرة الإخبارية"، أن "الطفل الذي يفقد سنوات من الدراسة قد يصبح أقل تعليمًا أو نصف متعلم، ما يحد من فرصه المستقبلية"، محذرًا من أن غياب التعليم والرعاية قد يجعله أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة والجماعات التي تستغل مشاعر الغضب والانتقام الناجمة عن تجارب العنف والفقد.
تداعيات نفسية
وأشار المعالج النفسي إلى أن الصدمات النفسية تؤثر بصورة مباشرة في التحصيل الدراسي، إذ يفقد الطفل قدرًا من التركيز، ويظل منشغلًا بما تعرض له من أحداث مؤلمة، إلى جانب حالة مستمرة من الترقب والخوف من تكرارها.
وأضاف أن الطفل الذي مر بتجربة صادمة قد يظل يفكر فيما حدث، وما إذا كان سيتكرر مجددًا، وكيف سيتصرف حال وقوع صدمة أخرى، وهو ما يحول دون تحقيق الاستقرار النفسي اللازم للتعلم، ويجعل الدراسة في مرتبة متأخرة مقارنة بالمخاوف المرتبطة بحياته ومستقبله.
ذهن مشتت
ولفت "شوشان" إلى أن النزوح المتكرر يمثل عاملًا إضافيًا يؤثر سلبًا على العملية التعليمية، موضحًا أن الطفل يبدأ في كل مكان جديد بمحاولة تلبية احتياجاته الأساسية، مثل العثور على مكان للنوم والطعام والمياه، قبل التفكير في العودة إلى الدراسة.
وأشار إلى أن الانتقال إلى مدرسة جديدة يفرض تحديات أخرى، إذ قد يجد الطفل نفسه بين معلمين وزملاء ومناهج مختلفة، دون معرفة دقيقة بما درسه سابقًا أو ما الذي وصل إليه زملاؤه، فضلًا عن احتمالية عدم وجود متابعة لما فاته من دروس.
وأكد أن الانتقال المتكرر في حد ذاته يمثل تجربة صادمة للطفل، لأنه يفقد الشعور بالاستقرار والأمان، ويظل منشغلًا بالتساؤل عما إذا كان سيضطر إلى النزوح مرة أخرى، وهو ما ينعكس على قدرته على التركيز والتعلم.
طريق التعافي
أكد "شوشان" أن الطفل يستطيع استعادة مستواه التعليمي تدريجيًا إذا توفرت له بيئة مستقرة وآمنة، إلى جانب الرعاية النفسية والطمأنينة له ولأسرته.
وأوضح أن قلق الأسرة نفسه قد ينتقل إلى الطفل، خاصة في ظل الخوف من القصف أو سقوط ضحايا جدد، وما يرافق ذلك من تساؤلات بشأن مصيره ومصير والديه، فضلًا عن عدم وضوح مستقبل العملية التعليمية والامتحانات.
وشدد على أن توفير الأمان والاستقرار النفسي يمثلان شرطين أساسيين لاستعادة التركيز والقدرة على التعلم، وهو الأمر الذي لا يتوفر في القطاع، موضحًا أن استمرار التوتر مع ضعف التركيز يؤدي في النهاية إلى تراجع التحصيل الدراسي وندهور النتائج التعليمية.