الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الحصبة تعيد رسم خريطة الخطر في أمريكا.. بنسلفانيا تسجل أكبر تفشٍ منذ 35 عاما

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

لم تعد الحصبة مجرد ذكرى في الكتب الطبية الأمريكية، فبعد أكثر من عقدين على إعلان الولايات المتحدة القضاء عليها رسميًا، عادت بقوة لتسجِّل أرقامًا قياسية لم تشهدها البلاد منذ عام 1991.

وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ولاية بنسلفانيا باتت تقف اليوم في مواجهة أضخم تفشٍ في تاريخها الحديث، في ظل تراجع خطير في معدلات التطعيم بات يُهدد ما بنته أمريكا على مدى عقود من حصانة جماعية.

كسر الأرقام التاريخية

رصدت وزارة الصحة في بنسلفانيا تجاوز عدد الإصابات المؤكدة حاجز 1,066 حالة منذ اندلاع التفشي في أبريل الماضي، متخطيةً الرقم القياسي السابق البالغ 997 حالة الذي سجلته ولاية كارولينا الجنوبية في تفشٍ انتهى في وقت سابق من العام الجاري.

وعلى المستوى الوطني، وثقت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) نحو 40 تفشيًا للحصبة حتى اليوم في 2026، مقارنة بـ16 تفشيًا فقط طوال عام 2024.

فيما اقترب إجمالي الإصابات الأمريكية هذا العام من 3800 حالة، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ أواخر الثمانينيات حين اجتاحت موجات من الحصبة عشرات الآلاف، ودفعت السلطات الصحية آنذاك إلى تبني جرعتين من لقاح الـMMR بديلًا عن جرعة واحدة.

الجرح المفتوح خلف الأرقام

لا تقرأ هذه الأرقام بمعزل عن سياقها، إذ تُشير "وول ستريت جورنال" إلى أن التراجع في معدلات التطعيم هو المحرك الحقيقي وراء هذا الانتشار المتسارع، ففي مقاطعة لانكستر، التي شهدت وحدها أكثر من 400 إصابة وثلاث وفيات، لا يتجاوز معدل التطعيم الكامل بين أطفال الروضة 87.6% للعام الدراسي 2025-2026، وهو رقم يقل عن عتبة 95% اللازمة لتحقيق مناعة القطيع.

والصورة أشد قتامةً داخل مجتمع الأميش الذي يتخذ من المقاطعة موطنًا له، فوفق تقرير أصدرته إدارة الصحة بالولاية عام 2025، لم يتطعم ضد الحصبة سوى ربع أبناء هذا المجتمع تقريبًا.

وحذرت الدكتورة جنيفر نوتسو، مديرة مركز براون الجامعي للأوبئة، من أن الحصبة باتت "تهديدًا صحيًا عامًا مستمرًا" على الولايات المتحدة، مؤكدةً أنها "ستجد طريقها دائمًا إلى المجتمعات شديدة الهشاشة وتُشعل فيها موجات ضخمة من الإصابات".

مستشفيات تتعلم من جديد

على الأرض، يعيش الأطباء والممرضون في بنسلفانيا تجربة طبية استثنائية، فكثيرون منهم يُعالجون حالات حصبة للمرة الأولى في مسيرتهم، فيما تُخصَّص غرف عزل بضغط هواء سلبي في المستشفيات لمنع انتقال العدوى.

وأوضح الدكتور جون جولدمان، أخصائي الأمراض المعدية بالمركز الطبي لجامعة بيتسبرج في هارسبرج، أن المشهد الحالي بات يكشف عن مضاعفات نادرة لم تكن تُرى في السابق، من بينها التهاب رئوي حاد والتهاب دماغي قد يُفضي إلى إعاقات دائمة، فضلًا عن حالات إصابة أجنة أو مواليد بالعدوى قبل الولادة أو فور حدوثها، وهو أمر نادر الحدوث.

وأودت الحصبة بحياة خمسة أشخاص حتى الآن وفق الولاية، بينهم رضيع لقي حتفه بُعيد ولادته، وعلق جولدمان قائلًا لـ"وول ستريت جورنال": "نحن نتعلم في خضم المعركة".

خلاف سياسي يُعقد مواجهة الوباء

لم يسلم المشهد الصحي من الاحتقان السياسي، إذ كشفت "وول ستريت جورنال" عن خلاف بين بنسلفانيا ومراكز الـCDC حول تصنيف الوفيات المرتبطة بالحصبة، فالـCDC لا يعترف رسميًا سوى بحالتين، في حين ترصد الولاية خمس حالات.

واشترطت بنسلفانيا الاعتراف بكامل وفياتها مقابل قبولها الدعم الفيدرالي للسيطرة على التفشي، في جدل يزيد من تعقيد الاستجابة الصحية في وقت يشتد فيه الوباء.

وفي الوقت ذاته، دفع الخوف بعض الأسر إلى التصرف بمبادرة شخصية، فبعد الإعلان عن تعرض محتمل للعدوى في مستشفى الأطفال بفيلادلفيا، أسرعت المحامية كيت ميركوجليانو، ذات الـ38 عامًا، إلى تطعيم ابنتها البالغة سبعة أشهر قبل موعدها المقرر بخمسة أشهر، قائلةً: "حين سمعت بالأمر، قلت لنفسي: لا بد أن تحصل طفلتي على اللقاح المبكر فورًا".

مواجهة ميدانية بالحوار لا بالإكراه

في محاولة لكسر حاجز التردد، تنتهج فرق الصحة العامة في مقاطعة تشيستر المجاورة أسلوبًا إنسانيًا مغايرًا، إذ تزور الممرضات المنازل وتُنظم عيادات تطعيم في المطاعم ومراكز الإطفاء، بدلًا من الاعتماد على الحملات الرسمية المركزية.

وقالت جين فرانكلين، مديرة إدارة صحة المقاطعة، لـ"وول ستريت جورنال": "التواصل الإنساني المباشر وكلمة الفم هما المفتاح الحقيقي في مواجهة هذا التفشي، لا إكراه ولا ضغط".

وتختتم الصحيفة بالإشارة إلى أن المسار الوحيد نحو الاحتواء، وفق السلطات الصحية، هو بلوغ مناعة القطيع بتطعيم 95% من السكان، وهو هدف لا يزال بعيد المنال في مناطق عدة.