الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

3 سنوات على حرب غزة.. كيف مزقت "الإبادة الجماعية" سردية إسرائيل في الغرب؟

  • مشاركة :
post-title
أرشيفية

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

في الأيام الأولى بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل في الدعاية لأقوى معركة سياسية وإعلامية. بعد الحدث الصادم الذي وثقته بالصورة، ومن واشنطن إلى لندن وبرلين وباريس، تحرك الخطاب السياسي بسرعة في اتجاه واحد تقريبًا؛ إدانة حماس والمطالبة بالإفراج عن المحتجزين.

وحتى عندما بدأت الانتقادات الأولى للحرب الإسرائيلية في الظهور، ظلت في أغلب الحالات داخل إطار الرواية الأصلية: إسرائيل تحارب حماس، وما يحدث في غزة هو ثمن الحرب التي بدأتها الحركة في 7 أكتوبر. لكن الحرب الطويلة غيرت طبيعة المعركة. فبعد أسابيع وشهور ثم سنوات، لم تعد غزة مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل أصبحت هي نفسها الحدث الذي يعيد تشكيل النقاش.

لم تعد الصور القادمة من القطاع مرافقة لقصة تل أبيب، بل أصبحت قصة مستقلة لها مركزها الأخلاقي والسياسي والإنساني. رأى العالم المستشفيات المدمرة، الأطفال تحت الأنقاض، طوابير المساعدات، النازحين، الجوع، المدن التي تحولت إلى مساحات من الركام، ثم عرف الأرقام الهائلة للقتلى والجرحى والنازحين.

وهنا حدث التحول الأهم، لم يختفِ 7 أكتوبر من الرواية الغربية، لكن احتكار إسرائيل للرواية انتهى. أصبح من الممكن أن تبدأ القصة من 7 أكتوبر، لكن أصبح من الممكن أيضًا أن تبدأ من رفح، أو من شمال غزة، أو من مستشفى خرج من الخدمة، أو من أزمة الجوع، أو من قرار قضائي دولي، أو من اعتراف دولة غربية بدولة فلسطين.

وبقدر ما اتسعت هذه المداخل، تراجعت قدرة إسرائيل على تحديد منفردة ما الذي يجب أن يراه العالم، وما الذي يجب أن يتجاهله.

دفاع وحشي

في البداية، كان السؤال في كثير من العواصم الغربية يبدو بسيطًا: هل من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها بعد هجوم 7 أكتوبر؟ ومع مرور الوقت، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يعني حق الدفاع عن النفس عندما تستمر الحرب سنوات، ويتضاعف حجم الدمار والكلفة الإنسانية؟

كان هذا التحول مهمًا لأن إسرائيل كانت تعتمد بصورة كبيرة على نقل النقاش من أفعالها إلى أفعال خصمها. كل انتقاد للقصف كان يمكن أن يُعاد إلى 7 أكتوبر، وكل سؤال عن المدنيين كان يمكن أن يصطدم بحجة وجود حماس وسط السكان، وكل دعوة إلى وقف النار كانت تواجه بسؤال المحتجزين والسلاح والتهديد الأمني. لكن هذا الإطار يفترض ضمنًا أن 7 أكتوبر يظل الحدث الذي يفسر كل ما يأتي بعده. وطول الحرب جعل هذا الافتراض أكثر صعوبة.

لكن حتى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أقر في دراسة نُشرت في مايو 2026 بأن إسرائيل أصبحت تواجه أزمة صورة تمس مكانتها الدولية وأمنها القومي وشرعيتها، ورأى أن أحد الجذور الأساسية للمشكلة كان إطالة الحرب من دون هدف سياسي واضح.

في أبريل الماضي، نشرت "جيروزاليم بوست" تحقيقًا عن قرار إسرائيل رفع موازنة الدبلوماسية العامة إلى نحو 730 مليون دولار في 2026، أي أكثر من أربعة أمثال موازنة العام السابق. لكنها نقلت عن عدد من أبرز المتخصصين في الاتصال السياسي والدبلوماسية العامة تشككهم في قدرة المال وحده على استعادة الصورة الجيدة.

بالأدق، تستطيع تل أبيب شراء إعلانات، إرسال وفود، استضافة مؤثرين، إنتاج مقاطع فيديو، وإطلاق حملات على وسائل التواصل، لكنها لا تستطيع بسهولة شراء المصداقية. وعندما أصبحت الرسالة الدعائية الإسرائيلية مفرطة في نظر الجمهور من أجل محاولة لتبرير واقع يراه بعينيه، فإن زيادة حجم الرسالة قد تزيد من الشك بدلًا من أن تقلله.

ونقلت التقارير عن جوانا لانداو، مؤسسة"Vibe Israel"، وهي منظمة غير ربحية تسعى إلى إبراز إسرائيل وزيادة علامتها التجارية العالمية، أن نظام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعاني من تشتت بين وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء ووزارة الشتات والجيش ومؤسسات أخرى، وأن ضخ ميزانية ضخمة في أدوات قديمة قد يؤدي إلى "زيادة الحجم لا زيادة الاستراتيجية"، في إشارة إلى أن المشكلة أصبحت أن الجمهور يسمع إسرائيل لكنه لا يصدقها.

بعيدًا عن إسرائيل

كان التحول الشعبي الأمريكي هو الصفعة الأقسى على وجه إسرائيل، فبينما تظل الولايات المتحدة ما زالت الحليف الأهم، لكن ما تغير هو العلاقة بين ثلاث صور كانت مرتبطة ببعضها في السابق: صورة الإسرائيلي، وصورة الحكومة الإسرائيلية، وصورة الفلسطيني.

في يوليو الماضي، أظهر استطلاع واسع أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن 58% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يحملون نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32% فقط إلى الإسرائيليين. وبين الشباب الديمقراطيين، اتسعت الفجوة إلى 72% للفلسطينيين مقابل 26% للإسرائيليين. والأكثر دلالة أن صورة الحكومة الإسرائيلية أصبحت أضعف بكثير؛ إذ لم يحملها بصورة إيجابية سوى 18% من الأمريكيين تحت الثلاثين، بينما بقيت صورة حماس سلبية للغاية، إذ قال 84% من الأمريكيين إن لديهم رأيًا سلبيًا تجاهها.

هذه النقطة هي جوهر التحول، فلم يعد الجمهور الغربي يرى الصراع باعتباره اختيارًا بين إسرائيل وحماس، بل بدأ يفصل بصورة أكبر بين الاثنين وبين الفلسطينيين كمدنيين وشعب وقضية سياسية.

وهذا التحول ليس مقتصرًا على الشباب أو الديمقراطيين. فقد وجد استطلاع "بيو" أن النظرة إلى الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية أصبحت أكثر سلبية في مختلف الفئات السياسية والعمرية مقارنة بالسنوات السابقة، بينما بقيت صورة الفلسطينيين أكثر استقرارًا. أي أن ما حدث في غزة أعاد ترتيب الصورة الذهنية للصراع على نطاق أوسع.

عندما تتحول الصورة إلى سياسة

في أوروبا كان التحول أسرع وأكثر وضوحًا. فقد أظهرت استطلاعات "يو جوف" في يونيو 2025 أن النظرة السلبية إلى إسرائيل وصلت إلى مستويات قياسية في عدد من الدول الأوروبية الكبرى، فيما لم تتجاوز نسبة الذين يرون الحرب الإسرائيلية في غزة "متناسبة ومبررة" مستويات منخفضة للغاية.

بعد ذلك دخل التحول المجال الدبلوماسي بصورة أكبر، مع اعتراف بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا بدولة فلسطين في 2025. وهنا لا تكمن أهمية الاعتراف فقط في رمزيته، وإنما في المنطق الذي سبقه، فقد جاء التحول الغربي بعد عقود من الفجوة بين الخطاب الأوروبي المؤيد لفظيًا لحل الدولتين وبين واقع توسع الاحتلال والاستيطان الذي كان يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة. لكن الاعترافات الغربية الجديدة فتحت نافذة سياسية مختلفة، في بيئة أصبح فيها استمرار الحرب والدمار الإسرائيلي في غزة والانتهاكات في الضفة الغربية المحتلة عوامل تضغط على الحكومات الغربية لتعيد النظر في سياستها.

أما المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، فذهب إلى أبعد من ذلك عندما دعا الدول الأوروبية إلى التعامل مع الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس كخطوة رمزية وحسب، وإنما كوسيلة للضغط باتجاه إنهاء الاحتلال.

وهنا يصبح الدمار في غزة جزءًا من تحول أوسع. فالصورة التي كانت تستخدمها إسرائيل لإثبات حاجتها إلى الأمن أصبحت، بعد سنوات الحرب، تستخدم أيضًا من جانب خصومها وحلفائها.

الإعلام الغربي يبتعد

لا تكمن أهمية السنوات الثلاث السابقة من الدمار في إثبات أن الإعلام الغربي كان مع إسرائيل ثم أصبح ضدها. بل إن ما تغير هو البيئة التي يعمل فيها الإعلام نفسه.

في البداية كانت غرف الأخبار تتعامل مع حادث واضح وبداية واضحة، وتفتقر إلى وصول مستقل واسع إلى غزة في ظل القيود المفروضة على الصحافة الأجنبية. ومع استمرار الحرب، بدأت الصور والشهادات والتحقيقات والأدلة الفضائية والتقارير الإنسانية والقضائية تراكم طبقة فوق أخرى. عندها أصبح من الصعب على أي مؤسسة إعلامية غربية أن تضع كل هذا تحت عنوان الدفاع عن إسرائيل والرد على حماس.

ثم أصبح النقاش حول الكلمات نفسها جزءًا من الحرب. هل ما يحدث "حرب" فقط، أم "كارثة إنسانية"، أم "تجويع"، أم "تهجير قسري"، أم "جرائم حرب"، أم "إبادة"؟ كان مجرد وصول هذه المفردات إلى الإعلام الغربي الرئيسي دليلًا على أن الإطار الذي بدأت به الحرب لم يعد قادرًا على احتواء كل ما تراكم فيها.

كان استخدام كلمة "إبادة" في الأشهر الأولى من الحرب يواجه اعتراضًا واسعًا في كثير من الدوائر الغربية باعتبارها توصيفًا قانونيًا بالغ الخطورة. لكن الوضع تغير تدريجيًا مع دخول المؤسسات القضائية والدولية على الخط.

ففي يناير 2024، لم تصدر محكمة العدل الدولية حكمًا بأن إسرائيل ترتكب إبادة، لكنها أصدرت تدابير مؤقتة في قضية جنوب إفريقيا، وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال الداخلة في نطاق اتفاقية الإبادة، ثم أصدرت المحكمة أوامر إضافية مع استمرار الحرب.

وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.

ثم في سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أربعة أفعال تندرج ضمن أفعال الإبادة، وخلصت اللجنة أيضًا إلى توافر القصد الخاص الذي يتطلبه تعريف الجريمة في القانون الدولي.