دفع التطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية، الحرب الأوكرانية إلى مرحلة جديدة، بعدما طرح وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف رؤية تقوم على استخدام روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في ساحات القتال، معتبرًا أن بلاده لا تملك رفاهية انتظار حسم المخاوف الأخلاقية المرتبطة بالأسلحة ذاتية التشغيل، في ظل استمرار الحرب مع روسيا والحاجة إلى تعويض النقص في أعداد الجنود.
وقال فيدوروف، الذي لعب دورًا رئيسيًا في بناء برنامج الطائرات المُسيّرة الأوكراني، إن كييف يجب أن تسابق خصومها في تطوير الروبوتات القتالية، محذرًا من أن روسيا وحلفاءها قد يصلون إلى أنظمة قادرة على العمل بصورة مستقلة ومن دون روابط اتصال، فيما نقلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عنه أن الأولوية بالنسبة لأوكرانيا هي البقاء والحفاظ على استقلالها والحصول على التكنولوجيا اللازمة لهزيمة القوات الروسية.
حرب آلية
وربط فيدوروف مستقبل الحرب بقدرة الدول على تطوير أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام في الميدان بأقل تدخل بشري، وقال إن نشر أولى الروبوتات ذاتية التشغيل سيجعل هذا المسار شبه حتمي، لتتحول المنافسة بعد ذلك إلى سؤال يتعلق بالدولة التي ستبدأ استخدام هذه التكنولوجيا، ومن سيضع قواعد تشغيلها، ومن يمتلك القدرة على فرض تلك القواعد.
وأضاف أن تنظيم استخدام هذه الأنظمة يجب أن يأتي بعد امتلاك التكنولوجيا وليس قبلها، معتبرًا أن أوكرانيا تحتاج أولًا إلى تحقيق تقدم تكنولوجي يسمح لها بالتفوق وفرض قواعد اللعبة، وهي رؤية تعكس التحول الذي شهدته الحرب الأوكرانية، بعدما أصبحت الطائرات المُسيّرة والأنظمة غير المأهولة جزءًا رئيسيًا من العمليات العسكرية.
وتوسعت كييف بالفعل في استخدام المركبات الأرضية غير المأهولة، التي تؤدي مهام لوجستية في الخطوط الأمامية وإجلاء المصابين، إضافة إلى تنفيذ مهام قتالية في بعض الحالات، بينما بدأت أنظمة روبوتية وشبه ذاتية التشغيل في الظهور على أرض المعركة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستخدام واسع النطاق.
جيش روبوتات
ويسعى فيدوروف إلى إنشاء ما وصفه بـ"جيش من الروبوتات"، معتبرًا أن الاعتماد على الآلات يمكن أن يقلل الخسائر البشرية ويساعد أوكرانيا في التعامل مع النقص المستمر في القوات، في مواجهة جيش روسي أكبر من حيث العدد، إذ قال قائد الحرس الوطني الأوكراني أوليكساندر بيفنينكو إن القوات الروسية تتفوق عدديًا على القوات الأوكرانية في بعض مناطق الجبهة بنسبة تصل إلى 6 مقابل 1.
وقال فيدوروف إنه يستهدف إرسال أول روبوت بشري الشكل "أساسي" إلى ساحة المعركة خلال ستة أشهر، في وقت بدأت فيه كييف بالفعل نشر أبراج رشاشات موجهة بالذكاء الاصطناعي داخل العاصمة للتعامل مع الطائرات المُسيّرة القادمة وتعزيز منظومة الدفاع الجوي التي تواجه ضغوطًا متزايدة.
وتوقع محللون عسكريون استمرار نمو استخدام المركبات الأرضية غير المأهولة في الجيش الأوكراني، خصوصًا في المهام التي يمكن تنفيذها من دون تعريض الجنود للخطر، مثل نقل الإمدادات وإجلاء المصابين، بينما يمكن أن تتوسع لاحقًا إلى تنفيذ مهام قتالية أكثر تعقيدًا.
مشروع مثير
وانتقل فيدوروف، بعد مغادرته الحكومة، إلى مجال الاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية، وأعلن الشهر الماضي تأسيس شركة جديدة في مجال تكنولوجيا الدفاع، مع تولي الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير أليكس كارپ دور المستثمر الرئيسي، بعدما كان فيدوروف قبل أشهر قليلة مسؤولًا حكوميًا عن تأمين آلاف الطائرات المُسيّرة وإدارة عمليات وزارة الدفاع.
وقال الوزير السابق إن شركته الجديدة تسعى إلى الحصول على التمويل من الولايات المتحدة والشرق الأوسط، معتبرًا أن الدولة الأوكرانية تحتاج إلى تغيير دورها في ظل طبيعة الحرب التكنولوجية، والتحول من جهة تدير عمليات التطوير والشراء إلى مستثمر في شركات التكنولوجيا العسكرية.
وأثار ارتباط فيدوروف بشركة بالانتير جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا، خصوصًا في ظل عمله السابق وزيرًا للدفاع وإشرافه على تعاون حكومي واسع مع الشركة، فيما يشير منتقدون إلى قيود في قوانين مكافحة الفساد الأوكرانية تتعلق بالانتقال من المناصب الحكومية إلى شركات خاصة خلال فترة زمنية محددة إذا كانت قرارات المسؤول السابق مرتبطة بنشاط تلك الشركات.
سباق جديد
وتجاوز الجدل حدود المصالح السياسية، ليصل إلى طبيعة الأسلحة التي يدعو فيدوروف إلى تطويرها، إذ يرى منتقدون أن التركيز على الروبوتات البشرية قد يصرف الانتباه عن احتياجات أوكرانيا العسكرية الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها النقص الحاد في صواريخ وطائرات اعتراض الهجمات الجوية الروسية المتواصلة.
وأكد فيدوروف أن جزءًا من مشروعه سيركز على تطوير أنظمة اعتراض، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى ما وصفه بـ"مشروع مانهاتن جديد" تشارك فيه شركات غربية لتطوير تقنيات عسكرية متقدمة، معتبرًا أن السباق على الذكاء الاصطناعي العسكري قد يغير شكل الحروب بصورة يصعب التنبؤ بعواقبها.
وحذر فيدوروف من أن تفوق روسيا في مجال الروبوتات والطائرات المُسيّرة ذاتية التشغيل يمكن أن يفرض واقعًا جديدًا على ساحة المعركة، وشبّه هذه الأنظمة بالأسلحة النووية من حيث قدرتها على تغيير طبيعة الصراع، لكنه اعتبرها أكثر سهولة في الوصول وأقل خضوعًا للسيطرة، ما يفتح الباب أمام سباق تكنولوجي جديد لا يتعلق فقط بمن يمتلك السلاح الأقوى، وإنما بمن يستطيع تطوير أنظمة قادرة على العمل واتخاذ قرارات في الميدان بأقل تدخل بشري.