أثارت وفاة عاملة في معهد روسي متخصص في أبحاث الطاعون حالة من القلق داخل روسيا وخارجها، بعدما ذكرت تقارير إعلامية أنها ربما توفيت نتيجة الإصابة بالطاعون الرئوي، في حين أكدت السلطات الصحية الروسية أن التشخيص الرسمي حتى الآن هو "التهاب رئوي مجهول السبب"، مع استمرار إجراءات المراقبة والعزل الطبي للمخالطين، بينما بدأت الولايات المتحدة في متابعة التطورات عن كثب وسط دعوات لموسكو إلى تقديم معلومات دقيقة وشفافة.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنها تتابع التقارير بشأن حالة وفاة مشتبه بها بسبب الطاعون الرئوي في مقاطعة إيركوتسك جنوب شرق سيبيريا، وقالت إن تفاصيل عديدة لا تزال غير مؤكدة، مشيرة إلى أنها تنسق مع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها والجهات الحكومية الأخرى لمراقبة الوضع، فيما حثّت السلطات الروسية على مشاركة المعلومات بسرعة وشفافية.
حالة غامضة
كشفت السلطات الروسية أن الحالة ارتبطت بموظفة في معهد أبحاث مكافحة الطاعون في مدينة شيليخوف، بالقرب من إيركوتسك، قبل أن تتوفى بعد إصابتها بالتهاب رئوي لم تحدد أسبابه، بينما أظهرت الاختبارات التي أجرتها الجهات الصحية الروسية عدم وجود كائنات دقيقة مرتبطة بالأنشطة المهنية للمرأة في العينات البيولوجية الخاصة بها، كما قالت السلطات إنها لم ترصد أي حادث داخل المعهد يتعلق بالتعامل مع مسببات الأمراض الخطيرة.
وأفادت وسائل إعلام محلية بأن المرأة كانت تبلغ 28 عامًا وتعمل فنية مختبر في المعهد، وأنها دخلت المستشفى في نهاية سبتمبر الماضي قبل وفاتها بعدة أيام، بينما انتشرت روايات غير مؤكدة تحدثت عن احتمال إصابتها بالطاعون الرئوي أو وقوع حادث داخل المختبر، وهي معلومات لم تؤكدها السلطات الروسية، كما دعا الكرملين إلى الاعتماد على البيانات الرسمية بدلًا من الشائعات والتكهنات.
وأعلنت هيئة الرقابة الصحية الروسية "روس بوتريب نادزور" أن الوضع الصحي والوبائي في مقاطعة إيركوتسك ومدينتي إيركوتسك وشيليخوف مستقر، مؤكدة تنفيذ مجموعة من الإجراءات الخاصة للتعامل مع الحالة، بينما قالت السلطات إن الأشخاص الذين خالطوا الموظفة يخضعون للمراقبة الطبية ولم تظهر عليهم أعراض مرتبطة بالطاعون حتى الآن.
إجراءات احترازية
فرضت السلطات الروسية إجراءات احترازية في عدد من المنشآت الطبية، بعدما أُخضعت مستشفيات في المنطقة للحجر الصحي، فيما أظهرت تقارير محلية أن نحو 200 شخص ممن خالطوا الموظفة أو كانوا مرتبطين بالحالة وُضعوا تحت المراقبة، مع استمرار الفحوص الطبية للتأكد من عدم ظهور حالات أخرى، بينما أكدت الجهات الرسمية أن الاختبارات لم تكشف حتى الآن عن انتشار للطاعون.
وألزمت إدارة مصنع إيركوتسك للألومنيوم في شيليخوف العاملين بارتداء الكمامات كإجراء وقائي، ودعتهم إلى مراقبة أي أعراض صحية وطلب الرعاية الطبية سريعًا عند الحاجة، في خطوة عكست مستوى الحذر الذي ساد المنطقة رغم تأكيد السلطات أن الوضع الوبائي لا يزال مستقرًا.
وأثار ظهور تقارير متضاربة حول سبب الوفاة مزيدًا من المخاوف بين السكان، خاصة مع تداول روايات غير مؤكدة عن تعرض الموظفة لبكتيريا الطاعون داخل المعهد، بينما قالت "روس بوتريب نادزور" إنها لم تجد أي مؤشرات على وقوع حادث يتعلق بالكائنات الدقيقة المسببة للأمراض في المنشأة، مؤكدة أن التحقيقات والفحوص مستمرة.
وقف واشنطن
أعلنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية أنها تراقب الوضع بالتنسيق مع وزارة الخارجية، مؤكدة أن سلامة المواطنين الأمريكيين تمثل أولوية، بينما قالت وزارة الخارجية إن كثيرًا من تفاصيل الحالة لم يتم تأكيدها بعد، وطالبت موسكو بالإفصاح عن المعلومات الموثوقة المتعلقة بظروف الوفاة ونتائج الفحوص.
وأوضحت السلطات الأمريكية أن الطاعون مرض معروف ويمكن علاجه بالمضادات الحيوية، خصوصًا عندما يبدأ العلاج مبكرًا، لكن ذلك لا يلغي خطورة النوع الرئوي منه، الذي يمكن أن ينتقل بين الأشخاص عبر الرذاذ التنفسي، ما يجعل مراقبة المخالطين وعزل الحالات المشتبه بها من الإجراءات الأساسية للحد من انتقال العدوى. وأكدت مراكز السيطرة على الأمراض أن علاج الطاعون يجب أن يبدأ سريعًا عند الاشتباه في الإصابة، من دون انتظار النتائج النهائية للفحوص المخبرية.
وأشارت البيانات الصحية إلى أن وجود بكتيريا "يرسينيا بيستيس" في الحيوانات البرية ومناطق انتشارها يجعل الطاعون مرضًا متوطنًا في أجزاء من سيبيريا، رغم ندرة الحالات البشرية، فيما تظل الإصابة بالطاعون الرئوي أقل شيوعًا من الأنواع الأخرى لكنها أكثر خطورة بسبب قدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر في حال عدم اكتشافها وعلاجها سريعًا.
خطر الانتشار
أعاد احتمال ارتباط الوفاة بالطاعون الرئوي تسليط الضوء على حساسية المنشآت الروسية المتخصصة في دراسة الأمراض الخطيرة، خصوصًا أن أي إصابة محتملة بين العاملين فيها تخضع لتدقيق أكبر بسبب طبيعة مسببات الأمراض التي يتعاملون معها، بينما لم تقدم السلطات حتى الآن دليلاً يثبت أن حالة الوفاة ناجمة عن تعرض مهني للطاعون.
وأظهرت الاستجابة الروسية أن السلطات تتعامل مع الحالة على أساس احترازي، من خلال تتبع المخالطين وإجراء الفحوص وفرض إجراءات عزل في بعض المنشآت، في الوقت الذي قالت فيه الجهات الرسمية إن النتائج المتاحة لم تكشف عن إصابات جديدة، ما يقلل في الوقت الراهن من المؤشرات على وجود تفشٍ واسع النطاق.
وأبقت حالة عدم اليقين المحيطة بسبب الوفاة المخاوف قائمة، خاصة مع انتشار روايات غير رسمية على وسائل التواصل ووسائل الإعلام المحلية، بينما شددت السلطات الروسية على أن الوضع مستقر، ودعت إلى عدم الاعتماد على المعلومات غير المؤكدة، في وقت تستمر فيه التحقيقات الطبية لمعرفة سبب الإصابة والوفاة بصورة نهائية.
وأكدت التطورات أن الخطر الحالي لا يتمثل في وجود تفشٍ مؤكد للطاعون الرئوي في روسيا، وإنما في حالة وفاة غامضة لعاملة بمعهد متخصص وما تبعها من إجراءات احترازية ومخاوف شعبية، بينما تواصل موسكو وواشنطن مراقبة الوضع، وتبقى النتيجة الحاسمة مرتبطة بما ستكشفه الفحوص والتحقيقات الجارية حول السبب الفعلي لوفاة الموظفة وإمكانية وجود أي صلة بالطاعون.