الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

احتجاجات الطلاب تُقيد يد باريس في بروكسل وتُضعف ورقتها الأوروبية

  • مشاركة :
post-title
تظاهرات الطلاب في المدارس الفرنسية

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

في مشهد يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، لا تبدو احتجاجات الطلاب الفرنسيين مجرد موجة غضب عابرة، بل أزمة متشعبة تمتد جذورها من الفصول الدراسية المكتظة إلى أروقة الأسواق المالية الأوروبية، وفي هذا الصدد كشف كل من د. عبد الغني العيادي، مستشار في البرلمان الأوروبي، ود. منال خليفة، عضو حزب النهضة الفرنسي، عن أبعاد أزمة باتت تُقلق العواصم الأوروبية قبل الاستحقاق الرئاسي الفرنسي عام 2027.

الشارع لا يكذب

لم تتردد د. منال في الإقرار بوجود خلل بنيوي حقيقي في المنظومة التعليمية الفرنسية، مُشيرةً إلى أن نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتردي البنية التحتية وقائع موثقة أكدها تقرير منظمة OECD الذي ركز تحديدًا على ظروف العمل في التعليم، غير أنها فرّقت بوضوح بين المشكلة الحقيقية واستغلالها سياسيًا، مؤكدةً أن حركة فرنسا الأبية بقيادة جا لوك ميلونشون، حولت هذا الغضب المشروع إلى ساحة صراع، فيما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحًا في رفض تحويل الاحتجاج إلى مواجهة أو عنف.

وانسجم هذا التوصيف مع ما أشار اليه د. العيادي الذي رأى أن احتجاجات ما يُعرَف بـ"جيل زد" ليست المرض بل أعراضه، إذ تعبر عن قلق مشروع لدى جيل يرى مستقبله مُثقَلًا بالدين وغلاء المعيشة، لكنها تتأجج في سياق حملة رئاسية تستثمر الغضب أكثر مما تُقدم له أجوبة.

وخلُصت د. منال إلى أن موقف حزب النهضة الحاكم يقوم على معادلة من شقين لا ينفصلان، وهما معالجة الخلل التعليمي الفعلي، والحفاظ في الوقت ذاته على هيبة الدولة ورفض التخريب.

د. منال خليفة الباحثة والمحللة السياسية وعضو حزب النهضة الفرنسي
المليار يورو لا يكفي وحده

على صعيد الحلول، رأت د. منال أن الزيادة المُعلنة في ميزانية التعليم لعام 2027 والبالغة 1.1 مليار يورو لترفع الإجمالي إلى 65.5 مليار يورو خطوة مهمة لكنها غير كافية وحدها، مُشيرةً إلى أن فرنسا تُنفق أصلًا 199.2 مليار يورو سنويًا على منظومتها التعليمية بالكامل أي ما يعادل 6.7% من ناتجها المحلي، مما يجعل السؤال الجوهري ليس كم تُنفق بل كيف توظف هذا الإنفاق.

وطالبت بأن تتصدر أولويات الإصلاح تحسين أجور المعلمين وظروف عملهم وتخفيف أعبائهم الإدارية وتطوير تدريبهم، مضيفةً بُعدًا لافتًا حين شددت على ضرورة حماية أمن المعلمين، خاصةً في المناطق الهشة اجتماعيًا، إذ لا يمكن مطالبة المدرس بأداء دوره في بناء الجمهورية بينما يعمل في بيئة يسودها العنف.

ورأت في انخفاض أعداد الطلاب المتوقع خلال السنوات المقبلة فرصةً ينبغي توظيفها لتحسين ظروف التعليم وتخفيف الاكتظاظ، لا ذريعةً لتقليص الإنفاق.

من الفصول إلى الأسواق.. الأزمة تُربك أوروبا

على المستوى الأوروبي، حذر د. العيادي من أن الأزمة الفرنسية تتجاوز حدود الاحتجاجات لتكشف عن عجز متنامٍ في إنتاج قرار سياسي مستقر تحت وطأة ضغوط مالية واجتماعية متزامنة.

ودعّم تحليله بأرقام صارمة، مُشيرًا إلى دين عام بلغ 3596 مليار يورو أي 119% من الناتج المحلي وفق المعهد الوطني للإحصاء، وعجز مستهدف بنسبة 5% في موازنة 2027، واحتياجات تمويلية قياسية تصل إلى 339.7 مليار يورو.

وجاءت إشارات الأسواق أشد إثارة للقلق، إذ تجاوز الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لعشر سنوات 120 نقطة أساس لأول مرة منذ أزمة 2012، واقترب عائد السندات الفرنسية من عتبة 5% لأول مرة منذ 2002، فيما تراجع اليورو إلى ما دون 1.12 دولار في أدنى مستوياته منذ 17 شهرًا.

وأوضح أن هذه الأرقام لا تعني فقدان فرنسا قدرتها على الاقتراض، لكنها تعني تصاعد كلفة خدمة الدين التي تُقدرها وزارة الاقتصاد بـ65 مليار يورو في 2026، مع توقعات بارتفاع فوائد الدين من 79.2 مليار إلى 91.2 مليار يورو في 2027.

وزاد الأمر تعقيدًا تصريحُ رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناجل في مطلع أكتوبر بأن أدوات البنك الأوروبي ليست موجهة لاستهداف فوارق السندات، أي أن باريس لا تستطيع الرهان على تدخل أوروبي تلقائي لاحتواء ارتفاع كلفة ديونها.

وأكدت د. منال من جهتها أن هذا الترابط بين استقرار الشارع واستقرار الأسواق مسؤولية سياسية مباشرة، إذ إن أي تصعيد سياسي طويل كفيل بتآكل مصداقية فرنسا المالية في وقت تحتاج فيه إلى عكس ذلك تمامًا.

عبد الغني العيادي مستشار سابق في البرلمان الأوروبي
2027.. ليس سؤال هوية الرئيس بل قدرته على الحكم

تقاطع الخبيران في تشخيص المرحلة المقبلة على أنها الأشد خطورة، إذ حذرت د. منال من أن الخطر الحقيقي ليس في تحول الاحتجاجات إلى أزمة شاملة على غرار 1968، بل في تراكمها مع ضغوط القدرة الشرائية وتآكل الخدمات العامة والاستقطاب السياسي في بلد يدخل مرحلة الانتخابات بمشهد برلماني شديد التجزؤ.

وفي السياق ذاته، رأى د. العيادي أن الأزمة الفرنسية تكشف عن خلل في تركيبة القوة لا في حجمها، إذ إن اقتصاد فرنسا ومؤسساتها وقدراتها العسكرية لا تزال راسخة، لكن التماسك السياسي الذي يُحول هذه الموارد إلى قدرة فعلية على القرار يتآكل، مما يجعل الأزمة صدعًا مركبًا لا مجرد أزمة حكومة عابرة.

والخطر الحقيقي في نظره يكمن في تحول هذا الصدع إلى حلقة مفرغة، بداية من انقسام سياسي يرفع كلفة الاقتراض، وكلفة الاقتراض تُضيق هامش القرار، وصولا الى ضيق الهامش الذي يُغذي الانقسام من جديد.

وانعكس هذا التوتر بالفعل على الملفات الأوروبية الكبرى، إذ أشار العيادي إلى أن انشغال باريس بأزمتها الداخلية يُقلص هامش مبادرتها في مفاوضات الإطار المالي الأوروبي 2028-2034 الذي يناهز تريليوني يورو، وملف دعم أوكرانيا الذي يُناقَش فيه تعبئة ما يصل إلى 100 مليار يورو.

الوقت ضيق لكنه لم ينفد

غير أن د. العيادي أبى أن يختم بتشاؤم مطلق، مؤكدًا أن الأشهر المتبقية قبل الانتخابات تكفي لكسر هذه الحلقة المفرغة، على أن تبدأ بإقرار موازنة 2027 بتسويات معقولة تُعيد بعض الثقة إلى الأسواق والشركاء.

وأشار إلى ورقة يعدها حاسمة، حيث ان أوروبا ذاتها بوصفها عامل مضاعفة، إذ إن تعاملت باريس مع أزمتها بوصفها شأنًا أوروبيًا مشتركًا لا مواجهةً مع المؤسسات الأوروبية، فإن التضامن الأوروبي قادر على تحويل تلك الحلقة المفرغة إلى دورة إيجابية تُعيد إلى فرنسا قدرتها على الفعل والتأثير.

وخلص إلى أن مكانة باريس في الاتحاد لن تحسمها صناديق الاقتراع وحدها، بل قدرة الحكومة القادمة على إنتاج الاستقرار وإقناع البرلمان والأسواق والشركاء الأوروبيين في آنٍ واحد.