يحتفل المصريون، اليوم الثلاثاء، بالذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر العظيم، هذا اليوم الخالد الذي سطّر فيه الجيش المصري بحروف من نور ملحمة التحدي والعبور؛ وحين تحوّلت قناة السويس من مانع مستحيل إلى جسر للنصر، وتحطم خط بارليف تحت أقدام جنود آمنوا بتخطي المستحيل بإرادتهم الحديدية.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة لتحرير الأرض، بل كانت ملحمة لاستعادة الكرامة الوطنية، وبرهانًا ساطعًا على أن التخطيط المصري بلغ أعلى درجات الفكر العسكري العالمي، بدءًا من التوجيه السياسي وصولًا إلى أدق تفاصيل الخداع الاستراتيجي.
وسيظل هذا النصر علامة فارقة في تاريخ مصر ، وشهادة خالدة على بطولة رجال ضحوا بدمائهم وأرواحهم فداءً للوطن، ليبقى يوم السادس من أكتوبر رمزًا للعزة والمجد ودعمًا للكرامة الوطنية.
حرب الاستنزاف
لم يكن للعبور العظيم أن يتحقق لولا الممهدات العسكرية السابقة؛ حيث شكّلت "حرب الاستنزاف" مدرسة حقيقية للقوات المسلحة المصرية، تعلّم فيها الجنود والضباط فنون القتال الحديث، واكتسبوا خبرة ميدانية واسعة في مواجهة عدو متفوق تقنيًا، وقامت هذه الحرب على استنزاف قدرات العدو وإرهاقه نفسيًا وماديًا، ومنعه من ترسيخ احتلاله.
وتركزت الأهداف الاستراتيجية لحرب الاستنزاف في إعادة بناء القوات المسلحة، واستكمال بناء منظومة الدفاع الجوي وتحريك "حائط الصواريخ" إلى حافة الضفة الغربية للقناة، فضلًا عن تنفيذ عمليات عبور خاطفة لكسر حاجز الخوف وإعادة الثقة للجندي المصري، وقد مرت تلك الحرب بثلاث مراحل رئيسية بحسب الهيئة العامة للاستعلامات المصرية:
مرحلة الصمود "يوليو 1967 – مارس 1968": التي ركّزت على تثبيت القوات وقصف مواقع العدو بالمدفعية الثقيلة.
مرحلة المواجهة والدفاع "مارس 1968 – يوليو 1969": شهدت تكثيف القصف وتنفيذ عمليات نوعية مثل "حجر الملائكة".
مرحلة الردع والحسم "يوليو 1969 – أغسطس 1970": تضمنت تصعيد العمليات الهجومية والغارات الجوية وتثبيت حائط الصواريخ.
وحققت حرب الاستنزاف إنجازات عسكرية ونفسية وسياسية هائلة، أنهت التفوق الجوي للعدو ووطّأت الأرضية الصلبة التي أُعدت عليها خطة عبور السادس من أكتوبر 1973.
القرار والتجهيز الشامل
وعلى صعيد التحضير للقرار التاريخي، تولى الرئيس الراحل محمد أنور السادات المقاليد عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، ليعقد العزم على دخول الحرب.
وتكللت هذه الجهود بالتنسيق "المصري–السوري" المشترك عام 1973، حتى استقر الرئيسان السادات والأسد في اجتماعات دمشق على تحديد يوم 6 أكتوبر 1973 موعدًا لبدء الحرب.
واستند التجهيز للحرب على استراتيجية شاملة تضمنت إعادة تنظيم الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، وتهيئة الجبهة الداخلية عبر توفير المخزون الاستراتيجي وتدريب الدفاع المدني.
كما برزت "خطة الخداع الاستراتيجي" بقيادة المشير أحمد إسماعيل، التي أربكت المخابرات العالمية عبر تسريب معلومات كاذبة وفتح باب العمرة للضباط وإجراء مناورات متكررة. وعلى الجانب الهندسي، برزت الفكرة العبقرية للواء باقي زكي يوسف باستخدام مضخات المياه عالية الضغط لتجريف الساتر الترابي وفتح 60 ثغرة لمرور الآليات الثقيلة.
يوميات النصر
وجاء اختيار يوم السادس من أكتوبر بناءً على حسابات علمية ودقيقة شملت حالة المد والجزر في القناة، وتوقف البث الإذاعي لدى العدو، والتنبؤ بوصول شحنات أسلحة جديدة للعدو عام 1974.
وفي تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر السادس من أكتوبر، انطلقت أكثر من 220 طائرة مصرية لضرب الأهداف الاستراتيجية في سيناء، بالتزامن مع تمهيد نيراني مكثف، ليعبر آلاف الأبطال المانع المائي وتعاود الأعلام المصرية رفرفتها على الضفة الشرقية.
وتوالت أيام الحرب من 7 إلى 28 أكتوبر متضمنة تحرير القنطرة شرق، وصد الهجمات المضادة، وخوض أكبر المعارك الجوية كـ"معركة المنصورة"، وكسر أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، وصولًا إلى صدور قرارات مجلس الأمن وبدء مباحثات تثبيت وقف إطلاق النار.
وأثمرت الحرب عن مسار سياسي ناجح بدأ بمباحثات "الكيلو 101"، ومرورًا باتفاقيات فض الاشتباك ومبادرة السلام ومعاهدة كامب ديفيد، حتى اكتمل استرداد الأرض برفع العلم المصري على رفح وشرم الشيخ عام 1982، وحسم قضية طابا بالتحكيم الدولي عام 1989.
ولا يكتمل حديث النصر دون الاستحضار الدائم لرموز البطولة، وفي مقدمتهم الشهيد الفريق عبد المنعم رياض، الذي استشهد في حرب الاستنزاف ليصبح يوم استشهاده 9 مارس يومًا للشهيد في مصر.
العبقرية الاستراتيجية
في هذا السياق، تظل حرب أكتوبر 1973 نموذجًا فريدًا يُدرس في المعاهد العسكرية العالمية، نظير الربط المحكم بين الهدف العسكري والغاية السياسية.
ويعود نجاح الحرب إلى وضع هدف واقعي يتناسب مع القدرات المتاحة حينها، تمثل في عبور القناة وإنشاء رؤوس كباري بعمق 10 إلى 15 كيلومترًا تحت مظلة الدفاع الجوي، وهو ما مكن القيادة السياسية من امتلاك ورقة تفاوضية قوية.
كما نجحت خطة الخداع الاستراتيجي، التي شاركت فيها مختلف مؤسسات الدولة، في ترسيخ انطباع لدى العدو بعدم قدرة مصر على خوض الحرب، حيث جعل تكرار استدعاء قوات الاحتياط وإجراء التدريبات الجانب الإسرائيلي يتعامل مع تلك الإجراءات بنمطية.
إلى جانب ذلك، أرست المعركة معادلة ردع حقيقية تجعل أي صراع مباشر مع مصر أمرًا بالغ الصعوبة، مع إثبات أن تماسك الجبهة الداخلية يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي في مواجهة التحديات الإقليمية.
وتتكامل القيادة الاستراتيجية للدولة مع روح أكتوبر في مسار متواصل؛ فإذا كانت الروح في عام 1973 تعني عبور المانع المائي وتحطيم خط بارليف، فإنها تعني اليوم امتلاك أدوات العصر لحماية مقدرات الوطن، ومواجهة التهديدات الحديثة كالأنظمة السيبرانية وحروب المعلومات.
العبور نحو المستقبل
وامتدادًا لروح أكتوبر، تحول النصر العسكري إلى ملحمة تنموية غيرت وجه سيناء؛ حيث أنشأت الدولة منظومة ربط كاملة تضم 17 نقطة اتصال بين أنفاق وكباري عائمة وسكة حديد اختصرت زمن العبور إلى دقائق معدودة.
وشملت الطفرة التنموية تطوير الموانئ البحرية كـ "شرق بورسعيد، العريش، والسخنة"، وتطوير المطارات الدولية "البردويل، العريش، سانت كاترين، وشرم الشيخ" لتشكّل شريانًا لوجستيًا يربط سيناء بالعالم.
وعلى صعيد التنمية الزراعية والأمن الغذائي، استهدفت الدولة استصلاح 450 ألف فدان عبر مشاريع مائية ضخمة، أبرزها محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر "الأكبر عالميًا بطاقة 5.6 مليون م³ يوميًا"، ومحطة المحسمة وسحارة سرابيوم. وتوجت هذه الجهود بإنشاء 18 تجمعًا تنمويًا زراعيًا وبدويًا، والتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن وتطوير زراعة الزيتون ومشاريع الاستزراع السمكي، لتبدأ سيناء عصرًا جديدًا من الاستقرار والتنمية الشاملة.