قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن النيل هو شريان الحياة لبلاده، وأساس وجودها عبر آلاف السنين، وإن حصة مصر المائية هي حق تاريخي وقانوني راسخ، لا يقبل الانتقاص منه أو المساس به، ومصر، كما كانت دائمًا، تمد يدها بالتعاون والتنمية المشتركة مع أشقائها في دول حوض النيل، ولن تسمح في الوقت ذاته بأي إجراء يمس أمنها المائي، وستواصل الدفاع عن هذه الحقوق بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي.
جاء ذلك خلال ترؤسه، اليوم الاثنين، اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، وذلك في إطار احتفالات مصر والقوات المسلحة بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، حيث صرّح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، بأن الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وعددًا من كبار قادة القوات المسلحة، كانوا في استقبال الرئيس لدى وصوله إلى مقر القيادة الاستراتيجية.
وهنأ الرئيس المصري رجال القوات المسلحة بمناسبة الذكرى المجيدة لانتصار أكتوبر 1973، مؤكدًا أهمية الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية والاستعداد القتالي للقوات المسلحة، بما يمكّنها من أداء مهامها في الدفاع عن الوطن وصون مقدساته وحماية مقدراته، لا سيما في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات ومتغيرات غير مسبوقة.
الإرادة المصرية العظيمة
وقال الرئيس المصري إنه في مثل هذا اليوم الخالد من تاريخ أمتنا، سطر المصريون صفحة ناصعة في سجل المجد الوطني، حين انتفضت الإرادة المصرية، لتؤكد للعالم أجمع أن مصر لا تفرط في أرضها، وأن الشعوب العظيمة تملك دائمًا القدرة على تحويل الهزيمة إلى نصر وعبور نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
ووجّه "السيسي" تحية إجلال وتقدير إلى رجال القوات المسلحة الباسلة، خير أجناد الأرض، سيف الوطن ودرعه، مُخاطبًا إياهم بأنهم لبوا نداء الوطن في واحدة من أدق وأخطر لحظات تاريخه، وحملوا على عاتقهم مسؤولية استرجاع الأرض واستعادة الكرامة الوطنية، فكانوا على قدر الأمانة والمسؤولية، وسيظلون الحصن المنيع لهذا الوطن، والركيزة الراسخة لأمنه واستقراره.
وأكد الرئيس تحيته بكل إجلال وإكبار لأرواح الشهداء الأبرار، مشددًا لأسرهم وذويهم على أن مصر لن تنسى أبدًا أبناءها الأوفياء، وستظل الدولة ملتزمة بتقديم كل أشكال الدعم لهم، كما وجه التحية والتقدير إلى الجرحى الأبطال، مؤكدًا لهم أن جراحهم ستبقى نياشين شرف وعزة وكرامة على صدر مصر، وشاهدًا خالدًا على إخلاصهم وتفانيهم في أداء الواجب.
صفحات التاريخ المضيئة
ولفت الرئيس المصري إلى أن استحضار ذكرى نصر أكتوبر المجيد يأتي للوقوف أمام صفحات التاريخ المضيئة لاستلهام الدروس والعبر، واستحضار معاني الإرادة والعمل والإيمان بالقدرة على الإنجاز وصناعة المستقبل، مبينًا أن نصر أكتوبر العظيم كان ثمرة سنوات من العمل الدؤوب والإعداد المتقن، وكان وراءه إيمان راسخ بأن النصر حليف لمن يأخذ بأسباب القوة ويؤدي واجبه بإخلاص وتجرد وتفانٍ، وهو الإيمان الذي تحقق به النصر عام 1973، وتُستمد منه اليوم العزيمة لمواصلة بناء الجمهورية الجديدة.
وأضاف السيسي أنه يعلم يقينًا أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية ويقدّر صبرهم وتحملهم، موضحًا بكل وضوح وصراحة أن الدولة لم ترتضِ الاكتفاء بإدارة المشكلات المتراكمة عبر عقود طويلة دون حلها، بل رفضت هذا النهج واختارت الطريق الأصعب والأشرف بتحمل مسؤولية الإصلاح ومواجهة التحديات ووضع الحلول الجذرية لها.
بناء الأوطان أمانة
وأشار إلى أن بناء الأوطان أمانة ومسؤولية سيسأل عنها الجميع أمام الله سبحانه وتعالى وأمام التاريخ، حيث أمر الله عز وجل بالسعي والإصلاح والإعمار، وجعل العمل الجاد والأخذ بالأسباب سبيلًا للتقدم والنجاح، ولم يجعل الاستسلام للمشكلات أو الهروب من مواجهتها أو الاكتفاء بالمسكنات المؤقتة طريقًا لنهضة الأمم أو ازدهارها، ومن هذا المنطلق كان واجبًا وقدرًا ومسؤولية وطنية وتاريخية مواجهة هذه التحديات ومواصلة مسيرة البناء والتقدم نحو مستقبل يليق بمصر وشعبها وتاريخها.
أزمات المنطقة
وتابع الرئيس الإشارة إلى الأوضاع الراهنة، موضحًا أن المنطقة تعيش اليوم في وسط أزمات واضطرابات، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات غير مسبوقة عصفت بدول وأودت باستقرار أوطان وأدت إلى تشريد الملايين من الأبرياء، غير أن الله سبحانه وتعالى حفظ مصر وشعبها بفضله وعنايته، ثم بوعي الشعب المصري العظيم وتماسك جبهته الداخلية، وتضحيات وبسالة قواته المسلحة وشرطته المدنية، وجهود جميع مؤسسات الدولة.
وجدّد السيسي التأكيد على أن التحديات لا تزال قائمة وأن المخططات التي تستهدف النيل من استقرار مصر لم تتوقف، لكنه شدد في الوقت ذاته، وبكل ثقة واطمئنان، على أن الدولة المصرية قوية بمؤسساتها، متماسكة بإرادة شعبها، وقادرة على حماية أمنها القومي وصون مقدراتها والحفاظ على استقرارها، مؤكدًا يقينه الراسخ بأن الله عز وجل يحفظ مصر، ولن يستطيع أحد أن يمس أمنها أو ينتقص من مقدرات شعبها أو يفرض إرادته عليها.
إقامة الدولة الفلسطينية
وأكد الرئيس المصري مجددًا للمجتمع الدولي أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، تظل الضمانة الوحيدة لتحقيق السلام العادل والدائم والاستقرار في الشرق الأوسط، مذكرًا الجميع بأن مصر وإسرائيل خاضتا حروبًا امتدت على مدار عقود قبل أن تفتح شجاعة القيادة السياسية وبُعد نظرها آنذاك، مدعومة بالوساطة الأمريكية، باب السلام وإنهاء العداء بين البلدين، وهو ما يثبت أن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، بل خيار واقعي قادر على إنهاء الصراعات وتحقيق التعايش السلمي.
وشدد على رفض بلاده التام لأي محاولات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، مؤكدًا ضرورة التنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة وعدم الالتفاف عليها أو تجاهلها، مع تأكيده على موقف مصر الثابت الداعم للحفاظ على وحدة وسيادة الدول العربية الشقيقة وسلامة أراضيها ورفض أي مساس بمؤسساتها الوطنية، ولفت إلى أن أمن دول الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مجددًا إدانة مصر ورفضها القاطع لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية، ومشددًا على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.