الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

كواليس تراجع أمريكا في اليمن.. لماذا أوقفت واشنطن "عملية رايدر"؟

  • مشاركة :
post-title
شعار وزارة الحرب الأمريكية

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

كشفت مداولات داخل وزارة الحرب الأمريكية عن خلافات حادة سبقت إطلاق الحملة العسكرية الأمريكية ضد جماعة الحوثيين في اليمن عام 2025، إذ انقسم كبار المسؤولين في واشنطن بين تيار دفع باتجاه توجيه ضربات سريعة ومكثفة، وآخر حذر من التسرع وضرورة تقييم النتائج المحتملة للحملة قبل تقديم خيارات عسكرية للرئيس دونالد ترامب.

ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن أشخاص مطلعين على المناقشات الداخلية، أن أحد اجتماعات البنتاجون شهد مواجهة لافتة بين الجنرال مايكل كوريلا، الذي كان يتولى قيادة العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط آنذاك، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز كيو براون الابن.

وكان براون اقترح إجراء تقييمات جديدة لما يمكن أن تحققه الضربات العسكرية قبل عرض الخيارات على الرئيس، لكن كوريلا رد، وفق المصادر نفسها، بعبارة حادة: "أيها الجنرال، انتهى وقت التقييمات".

وأثارت المواجهة دهشة بعض الحاضرين، فيما أبدى وزير الحرب بيت هيجسيث تأييده لموقف كوريلا، بحسب الأشخاص المطلعين على الاجتماع.

خلاف مبكر حول جدوى الحرب

ولم يكن الخلاف مقتصرًا على توقيت الضربات. إذ أثار مسؤولون آخرون في وزارة الحرب الأمريكية، من بينهم المستشار الكبير آنذاك دان كالدويل ومسؤول السياسات أليكس فيليز جرين، مخاوف متكررة بشأن قدرة مخزونات الأسلحة الأمريكية على تحمل حملة عسكرية طويلة ضد الحوثيين.

وكانت المخاوف تتعلق خصوصا باستنزاف صواريخ وذخائر ذات قيمة إستراتيجية، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تخوض بالفعل سباقًا للحفاظ على مخزوناتها من صواريخ كروز "توماهوك" وصواريخ الاعتراض المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي، مثل "باتريوت".

وبمرور الوقت، اكتسبت هذه التحذيرات أهمية أكبر، خصوصًا مع توسع العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران لاحقًا واستنزاف كميات كبيرة من الذخائر عالية القيمة.

"رايدر".. حملة جوية واسعة

وفي 15 مارس 2025، أطلق ترامب ما عرف باسم عملية "رايدر"، وهي حملة قصف أمريكية واسعة ضد أهداف تابعة لجماعة الحوثيين في اليمن.

وخلال نحو 51 يومًا، استهدفت القوات الأمريكية أكثر من ألف موقع، وفق وزارة الحرب الأمريكية، بينها منشآت لتخزين وإنتاج الأسلحة ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة وشبكات الرادار والدفاع الجوي، إضافة إلى قيادات حوثية بارزة. وقدمت إدارة ترامب العملية باعتبارها نجاحًا عسكريًا كبيرًا.

وقال المتحدث باسم وزير الحرب الأمريكية كينجسلي ويلسون، إن الضربات ألحقت أضرارًا بالغة بقدرات الحوثيين العسكرية، وأضعفت قدراتهم على استهداف الملاحة الدولية، وساعدت في تهيئة الظروف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

لكن داخل البنتاجون نفسه، وفق مصادر مطلعة على المداولات، ظهرت تساؤلات حول طبيعة الأهداف السياسية والعسكرية للحملة، وما إذا كانت واشنطن تمتلك تصورًا واضحًا وقابلًا للتحقيق بشأن النتيجة التي تريد الوصول إليها.

وبحسب هذه المصادر، شكك مسؤولون، من بينهم كالدويل وجو كاسبر، الذي كان أول رئيس لمكتب وزير الحرب بيت هيجسيث، في وضوح أهداف العملية وإمكانية تحقيقها.

فضيحة "سيجنال"

ولم تخلُ الحملة من تداعيات سياسية وإنسانية. إذ أفادت منظمات حقوقية بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين جراء الغارات الأمريكية. وفي أبريل 2025، أصابت غارة أمريكية مركزًا لاحتجاز المهاجرين في اليمن، ما أدى إلى مقتل أكثر من 68 مدنيًا وإصابة عشرات آخرين، بحسب "واشنطن بوست".

كما واجهت الإدارة الأمريكية واحدة من أكثر أزماتها إحراجا عندما أُضيف الصحفي جيفري جولدبرج، رئيس تحرير مجلة "ذي أتلانتيك"، بالخطأ إلى مجموعة محادثة على تطبيق "سيجنال" ناقش فيها مسؤولون كبار تفاصيل العملية العسكرية.

وكان وزير الحرب هيجسيث ونائب الرئيس جيه دي فانس من المشاركين في المجموعة، بينما تضمنت المحادثات معلومات مسبقة عن توقيت وطريقة بدء الضربات.

وأظهر تقرير لاحق للمفتش العام في وزارة الحرب الأمريكية أن استخدام هيجسيث للتطبيق بهذه الطريقة "خلق خطرًا على الأمن العملياتي"، في حين دافع الوزير وفريقه عن أنفسهم، واعتبروا نتائج المراجعة تبرئة لهم.

لماذا توقفت العملية؟

وبعد أسابيع قليلة من بدء الحملة، بدأت الإدارة الأمريكية البحث عن مخرج، وفق محللين ومسؤولين سابقين. وتقول أبريل لونجلي آلي، الباحثة في معهد واشنطن، إن الإدارة دخلت الحرب وهي تفترض أن استخدام قوة عسكرية هائلة يمكن أن يدفع الحوثيين إلى تغيير سلوكهم، لكنها لم تكن تمتلك استراتيجية واضحة للخروج.

وفي مايو 2025، أعلنت واشنطن وقف العمليات العسكرية بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار توسطت فيه سلطنة عُمان. وقدم ترامب الاتفاق باعتباره انتصارًا، مؤكدًا أن الحوثيين تعهدوا بالتوقف عن استهداف السفن.

لكن انتهاء الحملة جاء بعد أن أظهر الحوثيون قدرة ملحوظة على الصمود أمام القوة الجوية الأمريكية. ولم يُقتل جنود أمريكيون خلال العملية، إلا أن الحوثيين أسقطوا ما لا يقل عن سبع طائرات مسيرة أمريكية من طراز "إم كيو-9 ريبر"، كما فقدت القوات الأمريكية مقاتلتي "إف إيه-18" في حوادث بحرية.

وقال مسؤول أمريكي سابق عمل في ملف اليمن إن انتهاء المهمة كان بمثابة "سحب القابس من المقبس"، مشيرًا إلى أن الإدارة أرادت شطب اليمن سريعًا من قائمة أولوياتها والانتقال إلى ملفات أخرى.