أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد 4 أكتوبر، استئناف أعمال الحفر والتجريف ضمن المشروع العسكري المعروف باسم "سوفا 53" في ريف القنيطرة الجنوبي، بعدما عادت الآليات الهندسية للعمل غرب قرية العشة وفي مناطق متاخمة لخط فض الاشتباك، في خطوة جاءت بالتزامن مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، وسط مخاوف سورية من أن يتحول المشروع إلى واقع عسكري وجغرافي دائم داخل المنطقة العازلة.
وأكدت وزارة الخارجية السورية أن استكمال العمل فيما يسمى "خط سوفا 53" يمثل "خرقًا فاضحًا" لاتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، واعتبرت أن استمرار التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار الإقليميين، كما طالبت المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات رادعة وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجنوب السوري.
مشروع ممتد
بدأت أعمال المشروع، وفق تقارير ميدانية سورية، في عام 2022 من محيط بلدة حضر، قبل أن تمتد تدريجيًا نحو جباثا الخشب والحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، ثم إلى القحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة في الريف الأوسط، وصولًا إلى العشة والمناطق الجنوبية قرب المثلث الحدودي، بينما تشير تقديرات محلية إلى أن المشروع يمتد لنحو 70 كيلومترًا بمحاذاة الجولان السوري المحتل.
وتضمن المشروع، بحسب هذه التقارير، شق طريق عسكري بعرض يصل إلى ثمانية أمتار، وإقامة سواتر ترابية بارتفاع يقارب خمسة أمتار، إلى جانب حفر خنادق وإنشاء نقاط مراقبة وتحصينات على امتداد مساره، داخل أجزاء من المنطقة العازلة الخاضعة لترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف"، وهي أعمال تقول دمشق إنها تغير الوضع القائم في المنطقة بصورة أحادية الجانب.
دوافع أمنية
استأنفت القوات الإسرائيلية أعمال المشروع بوتيرة متسارعة بعد سقوط نظام بشار الأسد، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني التي أعقبت التطورات السياسية والعسكرية في سوريا، فيما بررت شخصيات إسرائيلية التحركات بأنها مرتبطة باعتبارات أمنية والحاجة إلى تعزيز الحماية على طول الحدود، مع تصاعد المخاوف الإسرائيلية المعلنة من عودة مجموعات موالية لإيران أو جماعات مسلحة إلى المناطق القريبة من الجولان المحتل.
وذهبت قراءات سورية وباحثون إلى تفسير مختلف، إذ اعتبروا أن توسيع الأعمال الهندسية لا يرتبط فقط بإجراءات أمنية مؤقتة، وإنما يهدف إلى تثبيت وجود عسكري وتغيير خطوط السيطرة داخل المنطقة العازلة، بما قد يخلق واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه مستقبلًا، خصوصًا مع استمرار إقامة الطرق والتحصينات وتوسيع نطاق التحركات البرية.
أراضٍ متضررة
تسببت أعمال التجريف والحفر، وفق شهادات نقلها موقع "سجل" ومصادر محلية، في اقتطاع مساحات من الأراضي الزراعية والرعوية في عدد من قرى القنيطرة، حيث تحدث سكان عن فقدان أراضٍ مزروعة بالأشجار المثمرة ومراعي كانت تشكّل مصدر دخل رئيسيًا، إلى جانب تقييد قدرتهم على الوصول إلى أجزاء من أراضيهم الواقعة قرب خط الفصل.
وأفادت تقديرات محلية بأن نحو 7000 دونم (1666 فدانًا) من أراضي جباثا الخشب جرى اقتطاعها لصالح المشروع، بينما قال رئيس بلدية الحميدية إن الخسائر في الحميدية والحرية والمناطق التابعة لهما وصلت إلى نحو 6000 دونم (1428 فدانًا)، في حين ذكر مدير مركز الإعلام الحكومي في القنيطرة محمد سعيد، في تصريح لوكالة "الأناضول" في يوليو، أن ما يقارب 6000 هكتار (14,283 فدانًا) خُسرت لصالح مشروع "سوفا 53" والقواعد العسكرية التي استُحدثت بعد سقوط النظام السابق، وهي تقديرات متفاوتة تعكس اتساع نطاق الضرر كما تصفه الجهات السورية، بينما لا تتوفر في المصادر المفتوحة التي جرى الاطلاع عليها بيانات إسرائيلية مستقلة تؤكد هذه الأرقام.
تصعيد مستمر
امتدت تداعيات المشروع إلى الغطاء النباتي في أجزاء من ريف القنيطرة، حيث أظهرت تقارير ميدانية تعرض مناطق رعوية وأشجار برية للتجريف، في وقت يعتمد فيه سكان القرى الحدودية بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي، بينما أدى تقييد الوصول إلى بعض الأراضي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر المحلية.
وشهدت المنطقة كذلك انفجارات متقطعة نسبت إلى ألغام ومواد متفجرة موجودة أصلًا داخل المنطقة العازلة، وسط مخاوف من أن تؤدي عمليات الحفر وتحريك التربة والآليات الثقيلة إلى زيادة مخاطر انفجارها، فيما تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في ريفي القنيطرة ودرعا، وتشمل، بحسب تقارير محلية، توغلات وعمليات اعتقال وإطلاق نار في بعض المناطق.
واستؤنفت أعمال "سوفا 53" من الجهة الجنوبية للمشروع في محيط العشة، وفق ما أفادت به مصادر سورية اليوم، بينما أشارت تقارير أخرى إلى تحركات إسرائيلية في محيط قرى ومناطق قريبة من خط الفصل، ما يعكس استمرار العمل على أجزاء مختلفة من المشروع بدل اقتصاره على نقطة واحدة، وقد وثقت جهات سورية استئناف التجريف والحفر غرب العشة مع دخول آليات هندسية إلى المنطقة.
تحذير سوري
وحذرت دمشق من أن استمرار هذه الأعمال والتوغلات قد يؤدي إلى ترسيخ واقع جديد على الأرض، فيما شددت وزارة الخارجية السورية على تمسكها بسيادتها الكاملة على أراضيها ورفضها أي إجراءات إسرائيلية تعتبرها باطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني، داعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهما في حماية اتفاق فض الاشتباك ومنع تغيير الوضع القائم في الجنوب السوري.
وأعاد استئناف المشروع في الوقت نفسه فتح ملف أوسع يتعلق بمستقبل المنطقة العازلة بين سوريا والجولان المحتل، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على توغل عسكري محدود، وإنما امتد إلى إنشاء طرق وتحصينات وتغيير طبيعة الأرض، في وقت تخشى فيه دمشق وسكان المنطقة من أن تتحول الأعمال المتكررة إلى ترتيبات عسكرية طويلة الأمد يصعب عكسها، بينما تستمر إسرائيل في التحرك على الأرض تحت مبررات أمنية، دون الإعلان عن جدول زمني لإنهاء المشروع أو التراجع عن الأعمال التي بدأتها قبل سنوات.