الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

كيف يؤثر الوضع الاقتصادي الأمريكي على مسار انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؟

  • مشاركة :
post-title
انتخابات التجديد النصفي للكونجرس

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

في الثالث من نوفمبر 2026 تنطلق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وهي الانتخابات التي تنعقد في سياق محلي وعالمي مُضطرب للغاية، فالحرب الإيرانية الأمريكية أحدثت حالة من التوتر الاقتصادي الكبير في جميع الأسواق، وهو الأمر الذي يضع عقبات كثيرة أمام الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، التي تشمل 435 مقعدًا في مجلس النواب الأمريكي، و35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى خمسة من المندوبين غير المصوتين في مجلس النواب.

تأسيسًا على ما سبق: يتطرق هذا التحليل إلى الوضع الاقتصادي الأمريكي الناتج عن سياسات ترامب، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على السيناريوهات المتوقعة لانتخابات التجديد النصفي.

الوضع الاقتصادي

يُمكن التعرف على الوضع الاقتصادي الأمريكي في الوقت الراهن من خلال النقاط التالية:

الشكل (1): معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من يناير 2026 إلى أغسطس 2026

(-) ارتفاع معدل التضخم: لم تكن تأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية واشتعال الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن الاقتصاد الأمريكي، فمعدل التضخم تأثر بشدة كما يوضح الشكل (1)، فقد ارتفع من 2.4% في يناير 2026 إلى 3.4% في أغسطس 2026، وهو الأمر الذي انعكس في مؤشر أسعار المستهلكين الذي ارتفع إلى 0.40% في أغسطس2026، بالمُقارنة بـ0.07% في يوليو 2026.

ولا يزال التضخم أعلى من المُستهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي عند 2%، فالزيادة الشهرية التي حدثت في هذا المعدل توضح أنه لن يعود إلى مستوياته المُستهدفة في القريب العاجل، وهو ما جعل الاحتياطي الفيدرالي يرفع سعر الفائدة قصير الأجل للمرة الأولى منذ 3 سنوات في منتصف سبتمبر 2026 بواقع 25 نقطة أساس، ليصل إلى نطاق بين 3.75% إلى 4%، ما يضع احتمالًا بنسبة مرتفعة أن يقوم البنك بذلك مرة أخرى.

الشكل (2): ارتفاع أسعار الكهرباء في الولايات المتحدة الأمريكية، المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية

(-) ارتفاع أسعار الطاقة: يُعاني المواطنون الأمريكيون بشكل أساسي من ارتفاع أسعار الطاقة، وهي المتغير الأساسي الذي يُثير غضب الأمريكيين، إذ إنهم يدفعون في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية تكاليف كهرباء تزيد على 30%، بالمُقارنة بعام 2020، وكانت أعلى نسبة زيادة في أسعار الكهرباء في ولاية واشنطن (DC) بنسبة 72%، وولاية ماين (ME) بنسبة 67%، وولاية مريلاند (MD) بنسبة 52%، ثم كاليفورنيا (CA) بنسبة 50%، ثم رود آيلاند (RI) بنسبة 47%، وبنسلفانيا (PA) بنسبة 46%، ثم تأتي نيويورك(NY) بنسبة 45%، وولاية ماساتشوستس (MA) بنسبة 44%، ثم ولاية إلينوي (IL) بنسبة 43%، ثم ولاية كونيتيكت بنسبة 39%، وهو الأمر الذي رفع من تكاليف معيشة المواطن الأمريكي.

الشكل (3): أسعار التجزئة لوقود الديزل الأمريكي (بالدولار للجالون)، المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية

وبالنسبة لأسعار الديزل التي يوضحها الشكل (3)، ارتفعت بشكل كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ ارتفعت من 3.7 دولار للجالون في سبتمبر 2025 إلى 6.3 دولار في سبتمبر 2026، أي ارتفعت بنحو 73.11%، ويرجع السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة إلى أن جالون الديزل تتكون تكاليف إنتاجه من 42% نفط خام، و25% نفط مُكرر، و23% تكاليف توزيع وتسويق، و11% ضرائب، ولما كان النفط الخام قد ارتفعت أسعاره إلى مستويات تتأرجح حول 100 دولار للبرميل، وهو يحتل نسبة كبيرة في إنتاج الديزل، فأسعار الديزل بلغت المستويات التي يُشير إليها الشكل(3).

ومن هنا يُثار تساؤل رئيسي: كيف لأكبر دول مُنتجة للنفط أن تُعاني من ارتفاع أسعار الديزل؟ وتتمحور الإجابة عليه في أن مُنتجي النفط في الولايات المتحدة الأمريكية يخضعون لآليات السوق العالمية، وليس السوق المحلية بحسب، إذ إنهم يعتمدون في أرباحهم بشكل أساسي على التصدير، فعندما تتضخم الأسعار العالمية بشكل كبير، يضعون قيودًا على الإنتاج، فالتكالب على التصدير -بسبب الأسعار المرتفعة والمُربحة- أثّر على المخزونات الأمريكية من الديزل، فقد انخفضت بنسبة 14% عن المتوسط، وبالتالي تأثّر المعروض المحلي، ومن ثم ارتفعت الأسعار.

وتعد أسعار الديزل حلقة أساسية عند الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي، إذ طلب من ألمانيا وفرنسا سحب كميات من مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في خفض أسعار الوقود العالمية، وإلا فإنهما قد يواجهان حظرًا أمريكيًا مُحتملًا على تصدير الديزل، وهو ما يُعد ضغطًا على أوروبا بهدف خفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة قبيل الانتخابات.

(-) مشكلات الإسكان: إن قرارات ترامب بتقليص تمويل خدمات الإرشاد السكني بنحو 56 مليون دولار، هددت الأمن السكني في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يُقدم المدّعون دعمًا أساسيًا للمواطنين الأمريكيين العاديين الذين يواجهون أزمات مالية، أو يُعدّلون قروضهم العقارية، أو يسعون جاهدين لامتلاك منزل، وبالتالي فاختفاء دورهم يُسبب مشكلات كبيرة للمواطنين.

وبالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار الإيجارات بشكل كبير، إذ كشفت دراسة حديثة أجرتها شركة "ليندينج تري" أن إيجارات السوق العادلة في كبرى المناطق الحضرية بالولايات المتحدة الأمريكية قفزت بنحو 40% للوحدات السكنية المكونة من غرفة نوم واحدة أو غرفتين، بالمقارنة بعام 2021، وسجلت مدينة نيويورك أكبر ارتفاع في الإيجارات الشهرية للوحدات المكونة من غرفة نوم واحدة، حيث زادت بمقدار 854 دولارًا لتصل إلى 2,655 دولارًا.

سيناريوهات محتملة

إن انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية تشتمل على عدد من السيناريوهات المُحتملة، كما سيتضح في النقاط التالية:

(-) السيناريو الأول (الاقتصاد يُعاقب الحزب الحاكم): يقوم هذا السيناريو على استمرار تركيز الناخب على تكلفة المعيشة أكثر من المؤشرات الكلية، مثل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، فهو يتوافق مع استطلاع رأي أجرته مؤسسةIPSOS بالتعاون مع وكالة رويترز في أواخر شهر أغسطس 2026، الذي أكد فيه 47% من الناخبين المُسجلين أن تكلفة المعيشة هي العامل الأكثر أهمية وتأثيرًا في تحديد صوتهم الانتخابي.

وبلغت نسبة عدم الرضا بين البالغين الأمريكيين تجاه طريقة تعامل دونالد ترامب مع ملف تكلفة المعيشة والتضخم 71%، مقابل نسبة تأييد لم تتجاوز 22% في هذا الملف، وبالتالي قد ينطوي على هذا السيناريو تحقيق الديمقراطيين لأغلبية في مجلس النواب الأمريكي، فيما تستمر سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.

(-) السيناريو الثاني (تحسُّن اقتصادي في اللحظة الأخيرة): ينطوي هذا السيناريو على أنه إذا تحسّنت المؤشرات الاقتصادية التي تهمّ الناخب الأمريكي في بيانات أكتوبر 2026، سيتغير تقييم الناخب للاقتصاد قبل التصويت، وهذا مهم؛ لأن الناخب لا يُقيِّم الاقتصاد بناءً على الأسعار فقط، بل أيضًا على اتجاهها، وإذا تحقق هذا السيناريو، ستستمر الأغلبية للجمهوريين في الانتخابات المقبلة.

(-) السيناريو الثالث (القضايا الأخرى مقابل الاعتبارات الاقتصادية): يقوم هذا السيناريو على أن الاقتصاد وحده لا يوجه سلوك الناخب الأمريكي، بل هناك قضايا أخرى تحوز على اهتمامه وتقع بشكل أساسي في اهتمامات الحزب الجمهوري، خاصة قضايا الدفاع والهجرة وأمن الحدود، وبالتالي قد ينطوي على هذا السيناريو استمرار أغلبية الحزب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي.

في النهاية، فإن انتخابات التجديد النصفي المُقبلة في الولايات المتحدة الأمريكية توجهها شبكة معقدة من العوامل المختلفة، خاصة العامل الاقتصادي، فما يهم الناخب الأمريكي هو استقرار أوضاعه الاقتصادية، فما أطاح بمرشحة الحزب الديمقراطي كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة هو تدهور الحالة الاقتصادية والمعيشية للمواطن الأمريكي في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، وهو ما يحاول الرئيس ترامب ضبطه في الوقت الحالي بعد قرارات أحدثت اضطرابًا كبيرًا في الداخل الأمريكي والاقتصاد العالمي بأكمله.

وبالتالي، فالواقع الأمريكي يشير إلى أنه إذا كان في استطاعة ترامب وقف تضخم المتغيرات التي تؤرق المواطن الأمريكي، فالحزب الجمهوري سيستمر في تحقيق الأغلبية في الانتخابات المقبلة، ولكن يُمكن القول إنه إذا حدث العكس واستحوذ الحزب الديمقراطي على الانتخابات، ستواجه أمريكا فترة من عدم الاستقرار حتى نهاية فترة ترامب، فالديمقراطيون سيعترضون معظم السياسات التي يحاول اتخاذها.