أسدل وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، الستار على تحول جذري في بنية القوة العسكرية الأمريكية، بإعلانه إنشاء قيادة مقاتلة مستقلة من أربعة نجوم تحمل اسم "قيادة الحرب المستقلة" (AutoWarCom)، مهمتها الاستحواذ على الطائرات المُسيَّرة والروبوتات القتالية ونشرها، بوتيرة وصفتها صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنها "الأسرع في تاريخ التحولات العسكرية الأمريكية في زمن السلم".
وجاء هذا الإعلان في خطاب ألقاه الوزير بقاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فيرجينيا، ليفتح فصلًا جديدًا في كيفية شراء البنتاجون الأسلحة واختبارها ونشرها ميدانيًا.
قيادة جديدة وجاهزية في 2027
رسم هيجسيث الملامح التنظيمية للقيادة الوليدة بتعيين أوين ويست، الضابط السابق في مشاة البحرية، وماكس ستراسيسر، ضابط اختبار طيار من وحدات "سيلز" البحرية الخاصة المتخصص في بناء الأنظمة الروبوتية القتالية، على رأس المرحلة التأسيسية.
وستتولى لاحقًا قيادتها ضابط عسكري برتبة أربعة نجوم لم يُحدَد اسمه بعد، ما سيضعها في مرتبة مماثلة لقيادة الفضاء وقيادة الحرب السيبرانية من حيث الثقل المؤسسي.
وتوضح الصحيفة الأمريكية أن القيادة مقرر أن تكون جاهزة للعمل بحلول أكتوبر 2027، وإن كانت هيئة الأركان المشتركة أبدت تحفظها على هذا التوجه في وقت سابق من العام الجاري، مستندة إلى مخاوف من اختلال في توزيع الصلاحيات، فيما أشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن بعض القادة المقاتلين أبدوا دعمهم للتغيير.
وأكد هيجسيث أن الرئيس دونالد ترامب يدعم الخطوة، مُقرًا في الوقت ذاته بأنها ستواجه مقاومة داخل وزارة اعتادت تاريخيًا تفويض صلاحيات شراء الأسلحة إلى الأفرع العسكرية المختلفة كالجيش والبحرية.
74 مليار دولار.. وسباق مع أوكرانيا
توضح "وول ستريت جورنال" أنه هذه القيادة تندرج في سياق رهان مالي ضخم، إذ رصد البنتاجون في ميزانيته القياسية المقترحة 74 مليار دولار للإنفاق على تقنيات الطائرات المسيرة ومنظومات التصدي لها، بهدف مضاعفة الإنفاق على الحرب المستقلة ثلاثة أضعاف.
وأوضح "ويست" للصحيفة أن الأولوية تتمثل في بناء خط إنتاج أمريكي من الأنظمة غير المأهولة المنخفضة التكلفة، حتى تتمكن الولايات المتحدة من مجاراة سرعة التكيف التي أبدتها أوكرانيا في ميادين المعارك الحديثة.
وقال بثقة: "حين نضخ ميزانيات مستدامة في عقيدة عسكرية متجددة، سنتفوق على العالم بأسره، وبإدماج الذكاء الاصطناعي سنكون في طليعته، لأننا الرواد فيه".
"أجينكور" يُحيي روح الانتصار بالتقنية
لإطلاق القيادة الجديدة، وجه هيجسيث مكتبه الموحَّد للطائرات المسيرة، الذي أسسه في يونيو الماضي، لوضع الأسس التشغيلية عبر "مشروع أجينكور"، الذي سيقوده ويست وستراسيسر معًا.
والاسم مستوحى من معركة أجينكور في القرن الخامس عشر، حين حسم الجيش الإنجليزي المعركة ضد قوات فرنسية أضخم بكثير بفضل القوس الطويل الذي كان يُمثل التفوق التقني آنذاك.
ورأى هيجسيث أن أمريكا تعيش لحظة مشابهة اليوم، مشبهًا الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي بذلك القوس الذي غير موازين القوى.
من المنافسة إلى ساحة المعركة في أسابيع
على الصعيد التشغيلي، كشفت الصحيفة أن ويست يعتزم توسيع منافسات صناعية تُعرف بـ"المضمار"، تُدعى فيها عشرات الشركات لاختبار طائراتها في مهام قتالية واقعية يُصممها العسكريون ويُشغلونها، فيتسلم الفائزون طلبات شراء في غضون أسابيع مع نشر النتائج على لوحة إعلانية شفافة.
وفي تجربة نُفذت مؤخرًا في كولورادو، أُرسلت طائرات رباعية المحركات لاستهداف مركبات والتحليق عبر أنفاق واختراق مجمعات مبانٍ تحاكي سفارة، بشرط ألا تتجاوز تكلفتها 4 آلاف دولار، وأن تُصنَّع في الولايات المتحدة بمكونات أمريكية في معظمها.
وأسفر البرنامج عن إرسال آلاف الأنظمة الروبوتية إلى وحدات عسكرية، من بينها وحدات منتشرة في منطقة الشرق الأوسط دعمًا لعمليات "إبيك فيوري" ضد إيران، وفق ما أفاد به البنتاجون.
وأشار ويست إلى أن الاختبارات ستمتد قريبًا لتشمل طائرات قاذفة مُسيَّرة، وزوارق بحرية ذاتية القيادة، قبل أن تُحال إدارة المنافسات لاحقًا إلى الوحدات العسكرية الميدانية لتختار وتشتري ما يلائمها.
ماسك وجينجريتش يستشرفون حروب الغد
على جبهة موازية، أطلق هيجسيث "مشروع مريديان" لاستشراف طبيعة الحروب القادمة، بمشاركة رجليَ الأعمال إيلون ماسك وبالمر لاكي، والسياسي الجمهوري البارز نيوت جينجريتش، تحت إشراف المسؤول التقني الأول في البنتاجون إميل مايكل.
وقال هيجسيث إن المشروع يهدف إلى استكشاف أفكار جديدة حول كيفية خوض الأجيال القادمة لمعاركها، مع تقديم التوصيات في غضون 120 يومًا.
وفي السياق ذاته، أعلن الوزير عن مكتب رفيع المستوى يُدعى "أمريكا الحصينة" يترأسه مسؤول مدني كبير وضابط برتبة نجمتين، مهمته حماية القواعد العسكرية الأمريكية من الهجمات السيبرانية وضربات الطائرات المُسيَّرة المعادية، وضمان اعتمادها على مصادر طاقة مستقلة عن الشبكة المدنية.
وختم هيجسيث خطابه بعبارة دالة: "إن قطع العدو التيار الكهربائي بأي وسيلة، فقواعدنا ستبقى مضاءة، وطائراتنا ستواصل التحليق، ومراكز قيادتنا لن تُعتم أبدًا".