صعّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي النزاع مع بريطانيا بشأن جزر فوكلاند، بعدما منح لندن مهلة أسبوعين لوقف مشروع للتنقيب عن النفط قبالة سواحل الجزر، مهددًا باللجوء إلى التحكيم الدولي إذا استمر العمل في المشروع، في خطوة فتحت جبهة قانونية جديدة في نزاع السيادة المستمر منذ عقود، وأعادت الموارد الطبيعية إلى صدارة الخلاف بين البلدين.
وأعلن ميلي أنه وجّه وزارة الخارجية والفرق القانونية الأرجنتينية بالاستعداد لبدء إجراءات تحكيم دولية ضد بريطانيا إذا لم يتوقف مشروع "سي ليون" خلال المهلة المحددة، متهمًا لندن وشركات المشروع بما وصفه بأنه "نهب غير قانوني" للموارد الأرجنتينية، بينما تؤكد الشركات امتلاكها تراخيص صادرة عن السلطات البريطانية، بحسب صحيفة "الإندبندنت" البريطانية وتقارير أمريكية وأرجنتينية حديثة.
تصعيد جديد
حدّد ميلي أسبوعين لوقف أعمال مشروع "سي ليون"، الذي تطوره شركة "نافِيتاس بتروليوم" الإسرائيلية بالشراكة مع شركة "روكهوبر إكسبلوريشن" البريطانية، محذرًا من أن انتهاء المهلة من دون وقف النشاط سيدفع بوينس آيرس إلى استخدام آليات قانونية دولية للطعن في عمليات التنقيب والإنتاج المرتقبة قرب الجزر.
وأفادت تقارير بأن المشروع يتركز في حوض شمال فوكلاند، ومن المتوقع أن يبدأ إنتاج النفط في عام 2028، بينما تدفع السلطات المحلية في الجزر باتجاه تطوير الموارد البحرية باعتبارها مصدرًا محتملًا لتنويع اقتصاد المنطقة الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الصيد، في حين تنظر الأرجنتين إلى أي استغلال للموارد الطبيعية حول الجزر باعتباره انتهاكًا لمطالبتها بالسيادة عليها.
وتزامن التهديد القانوني مع تحركات أرجنتينية سابقة استهدفت الشركات والأفراد المرتبطين بالتنقيب حول فوكلاند، بعدما أعلنت حكومة ميلي خلال سبتمبر عن إجراءات قانونية وشكاوى جنائية ضد شركات مشاركة في مشروعات الطاقة، كما فرضت عقوبات على أكثر من 60 شركةً وفردًا مرتبطين بالأنشطة النفطية في المنطقة، في إطار محاولة زيادة الضغط على المشروع.
مهلة محددة
استند ميلي في تحركه إلى موقف أرجنتيني يرى أن الموارد الواقعة في المنطقة البحرية المحيطة بالجزر تقع ضمن نطاق السيادة الأرجنتينية، ولذلك اعتبر عمليات الاستكشاف والاستغلال التي تجري من دون موافقة بوينس آيرس أنشطة غير مشروعة، بينما دفعت الشركات العاملة في المشروع بأنها حصلت على تراخيص قانونية من حكومة الجزر والسلطات البريطانية.
وأصدرت محكمة أرجنتينية في 16 سبتمبر أمرًا احترازيًا بوقف تطوير مشروع "سي ليون"، وألزمت شركتي "روكهوبر" و"نافِيتاس" بعدم بدء أو مواصلة أو تنفيذ الأعمال المرتبطة بالمشروع، وذلك في إطار دعوى استندت إلى مخاوف بشأن الأضرار البيئية والسيادية المحتملة، فيما بقي تنفيذ القرار خارج الأراضي الخاضعة للسيطرة الأرجنتينية محل تعقيدات عملية وقانونية.
وأضافت التحركات القانونية بُعدًا آخر إلى النزاع، بعدما أشارت الأرجنتين إلى إمكانية التوجه إلى المحكمة الدولية لقانون البحار في هامبورج، وهي هيئة قضائية دولية تنظر في قضايا تتعلق بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما يستند المسار المقترح إلى تفسير بوينس آيرس لحقوقها البحرية في المنطقة المتنازع عليها.
خلاف سيادي
جدد ميلي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر مطالبة بلاده باستعادة السيادة على جزر فوكلاند، التي تسميها الأرجنتين "مالفيناس"، وانتقد المنظمة الدولية بسبب ما اعتبره عدم اتخاذ إجراءات كافية بشأن النزاع، مؤكدًا أن حكومته ستواصل التحرك عبر الوسائل القانونية والاقتصادية التي وصفها بأنها سلمية.
ورفض الرئيس الأرجنتيني كذلك الموقف البريطاني القائم على حق سكان الجزر في تقرير مستقبلهم السياسي، وقال إن هذا المبدأ لا ينطبق في الحالة الحالية بحسب رؤيته، بينما تتمسك بريطانيا بحق سكان فوكلاند في تقرير المصير، وهو الموقف الذي كرره رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنام، مؤكدًا أن لندن ستواصل حماية وضع الجزر وسكانها.
وأعاد الخلاف بشأن النفط إحياء التوترات التي ظلت قائمة بين البلدين منذ حرب فوكلاند عام 1982، عندما غزت القوات الأرجنتينية الجزر قبل أن تستعيد بريطانيا السيطرة عليها بعد حرب استمرت أكثر من عشرة أسابيع، وأسفرت عن مقتل 255 عسكريًا بريطانيًا و655 أرجنتينيًا وثلاثة من سكان الجزر.
تحركات موازية
وسّعت حكومة ميلي خلال الأسابيع الماضية نطاق الإجراءات ضد الأنشطة النفطية حول فوكلاند، بعدما أعلنت عن شكاوى جنائية ضد شركات وشخصيات مرتبطة بمشروعات التنقيب، كما طرحت تشريعات تتضمن عقوبات أشد على استغلال الموارد الطبيعية في المناطق التي تعتبرها الأرجنتين خاضعة لولايتها، في وقت قالت فيه الشركات المعنية إنها لا تتوقع أن تؤدي الخطوات الأرجنتينية إلى وقف خططها.
وأثارت التطورات كذلك اهتمامًا أمريكيًا متزايدًا، بعدما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت سابق إلى إمكانية إعادة النظر في الموقف الأمريكي التقليدي من نزاع السيادة، وهو ما اعتبرته بوينس آيرس عاملًا مهمًا في إعادة طرح القضية على المستوى الدولي، بينما حافظت واشنطن رسميًا على موقفها التاريخي بشأن النزاع.
وتداخلت القضية أيضًا مع الحسابات الاقتصادية للجزر، إذ تنظر السلطات المحلية إلى مشروع "سي ليون" باعتباره مشروعًا يمكن أن يغير هيكل الاقتصاد المحلي إذا بدأ الإنتاج في الموعد المتوقع، بينما تواجه المنطقة ضغوطًا اقتصادية مرتبطة بسياسات أرجنتينية تشمل قيودًا على طرق الإمداد والنقل والعلاقات التجارية، وفق تقارير حديثة عن أوضاع السكان والاقتصاد المحلي.
وأبقى التهديد الأرجنتيني الباب مفتوحًا أمام مواجهة قانونية ودبلوماسية جديدة، بعدما وضعت بوينس آيرس مهلة زمنية محددة لوقف المشروع وربطت استمرار التنقيب بإجراءات قد تصل إلى التحكيم الدولي، بينما تواصل الشركات تمسكها بالتراخيص التي حصلت عليها من الجانب البريطاني، وتتمسك لندن بدورها بإدارة الجزر وحق سكانها في تقرير مستقبلها، ما يجعل مشروع النفط الجديد نقطة التقاء بين نزاع السيادة القديم والمصالح الاقتصادية المتنامية في جنوب المحيط الأطلسي.