أظهرت نتائج انتخابات مجلس الشيوخ الفرنسي تحولًا لافتًا في حضور حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بعدما ضاعف الحزب عدد مقاعده في المجلس أربع مرات تقريبًا، في نتيجة احتفت بها زعيمته مارين لوبان باعتبارها مؤشرًا على اتساع نفوذ الحزب بين المسؤولين المنتخبين محليًا، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2027، رغم أن تركيبة المجلس ظلت في جوهرها تحت هيمنة أحزاب اليمين والوسط واليسار التقليدية.
وفاز تسعة مرشحين من التجمع الوطني بمقاعد في الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، بينما حصل حزب اتحاد اليمين من أجل الجمهورية، المتحالف معه، على مقعدين، لينضموا إلى ثلاثة مقاعد كان التجمع قد فاز بها في انتخابات 2023، ما رفع إجمالي تمثيل الحزب وحليفه إلى 14 مقعدًا، وهي المرة الأولى التي يصبح فيها بوسع الحزبين تشكيل كتلة رسمية داخل مجلس الشيوخ، فيما ظلت أحزاب اليمين التقليدي والوسط والاشتراكيين أكبر القوى داخل المجلس، بحسب "إندبندنت" البريطانية.
صعود تدريجي
وعكست النتائج مسارًا تصاعديًا للتجمع الوطني داخل المؤسسة التشريعية، إذ كان الحزب يملك ثلاثة مقاعد فقط في مجلس الشيوخ عام 2023، مقابل مقعدين عندما دخل المجلس للمرة الأولى عام 2014، بينما اعتبر محللون أن قدرته على تشكيل كتلة مع حلفائه تمثل مرحلة جديدة في ترسيخ حضوره داخل المؤسسات السياسية الفرنسية، وإن كانت الانتخابات لا تعكس بشكل مباشر حجم التأييد الشعبي للحزب على مستوى البلاد.
وجرت الانتخابات لاختيار 178 مقعدًا فقط من أصل 348 مقعدًا في مجلس الشيوخ، الذي يجدد نصف أعضائه كل ثلاث سنوات، فيما يختار أعضاء المجلس بصورة غير مباشرة عبر هيئة انتخابية تضم نحو 172.600 مسؤول منتخب، بينهم أعضاء البرلمان والمجالس الإقليمية والمحلية، وهو ما يجعل نتائج الاقتراع مؤشرًا على مواقف النخب السياسية المحلية أكثر من كونها اختبارًا مباشرًا للرأي العام الفرنسي.
وأوضح ديفيد ليس، الباحث في الدراسات الفرنسية، أن النتائج تظل محدودة الدلالة فيما يتعلق بالمزاج الشعبي بسبب طبيعة الهيئة الانتخابية، لكنه اعتبر وصول اليمين المتطرف إلى كتلة خاصة داخل مجلس الشيوخ تطورًا سياسيًا مهمًا، في وقت حافظ فيه الجمهوريون وحلفاؤهم على الأغلبية، رغم تراجع عدد مقاعدهم، بينما احتل اليسار المرتبة التالية بعد خسارته بعض المقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة.
حسابات 2027
وأعطت النتائج دفعة سياسية للتجمع الوطني قبل الانتخابات الرئاسية، خصوصًا أن لوبان تستعد لخوض السباق الرئاسي للمرة الرابعة، فيما يستعد الرئيس إيمانويل ماكرون لمغادرة قصر الإليزيه بعد انتهاء ولايته، الأمر الذي يفتح سباقًا واسعًا بين مرشحين من اليمين والوسط واليسار، وسط استمرار حضور اليمين المتطرف كقوة رئيسية في المشهد الانتخابي.
في الوقت نفسه، أظهرت النتائج صعودًا محدودًا لليسار الراديكالي، بعدما حصل حزب "فرنسا الأبية" بقيادة جان لوك ميلانشون على أول مقعد له في مجلس الشيوخ، فيما احتفظ الاشتراكيون بموقعهم كقوة رئيسية داخل معسكر اليسار، وهو ما يعكس استمرار الانقسام السياسي الفرنسي بين تيارات متنافسة يصعب جمعها في مواجهة واحدة قبل الاستحقاق الرئاسي.
وأظهرت استطلاعات للرأي أجريت قبل انتخابات مجلس الشيوخ استمرار لوبان في موقع متقدم في سيناريوهات الجولة الأولى من انتخابات 2027، بينما ظهر ميلانشون في المركز الثاني في معظم السيناريوهات التي اختبرتها الاستطلاعات، في حين بدا رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب من أبرز المرشحين الوسطيين القادرين على منافسة ميلانشون في بعض السيناريوهات، وهي نتائج استطلاعية تعكس وضعًا سياسيًا متغيرًا ولا تحسم نتيجة الانتخابات المقبلة.
حدود النتائج
وحذرت تحليلات سياسية من المبالغة في تفسير نتائج مجلس الشيوخ باعتبارها مقياسًا مباشرًا لشعبية الأحزاب بين الناخبين، فالنظام الانتخابي يعتمد على تصويت غير مباشر يجمع بين الاقتراع على جولتين والتمثيل النسبي بحسب الدائرة، كما أن التوزيع السكاني الذي تستند إليه تركيبة الهيئة الناخبة لمجلس الشيوخ لا يعكس بالكامل التحولات الديموغرافية التي شهدتها فرنسا خلال العقدين الماضيين، ما يمنح بعض المناطق الريفية وباريس وزنا أكبر نسبيا من مناطق أخرى شهدت نموًا سكانيًا سريعًا.
وأشارت هذه القيود إلى أن المكاسب التي حققها التجمع الوطني تقيس قدرته المتزايدة على اختراق شبكات الحكم المحلي والمؤسسات المنتخبة، لكنها لا تعني تلقائيا امتلاك الحزب قاعدة شعبية مماثلة في الانتخابات الرئاسية، خصوصًا أن اختيار رئيس الجمهورية يتم بالاقتراع الشعبي المباشر وبنظام مختلف تمامًا عن انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ.
مشهد متغير
وأظهرت النتائج في المقابل استمرار قوة اليمين التقليدي على المستوى المحلي، إذ احتفظ الجمهوريون وحلفاؤهم بالكتلة الأكبر في مجلس الشيوخ، بينما خسروا بعض المقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة، كما حافظ الوسط على تمثيله، وهو ما أكد أن صعود التجمع الوطني لم يؤد إلى إعادة تشكيل المجلس بصورة جذرية، بل أضاف قوة جديدة إلى مؤسسة ظلت تحت سيطرة التيارات التقليدية.
وربط محللون بين صعود التجمع الوطني داخل مجلس الشيوخ وبين قدرته المتزايدة على بناء حضور سياسي على المستوى المحلي، لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى أن هذا التقدم لا يضمن انتقال القوة نفسها إلى الانتخابات الرئاسية، التي تعتمد على ديناميكيات مختلفة، أبرزها شخصية المرشح وقدرته على جذب ناخبين خارج قاعدته الحزبية، والتحالفات بين الجولتين الأولى والثانية.
ودخل الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا هولاند أيضًا دائرة التكهنات بشأن انتخابات 2027، بعدما قال إنه قد يقرر الترشح إذا رأى فرصة حقيقية للفوز، بينما يظل إدوار فيليب أحد أبرز الأسماء في معسكر الوسط، في وقت لم تتضح فيه بعد الخريطة النهائية للمرشحين، ما يعني أن نتائج مجلس الشيوخ قدمت مؤشرًا على توسع الحضور المؤسسي للتجمع الوطني، لكنها تركت السؤال الأكبر مفتوحًا بشأن شكل المنافسة الرئاسية المقبلة والتحالفات التي قد تتشكل لمواجهته.