الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أزمة السكن تشتعل في إسبانيا بعد طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عاما

  • مشاركة :
post-title
أزمة السكن

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

أشعل إخلاء امرأة إسبانية تبلغ 87 عامًا من الشقة التي عاشت فيها 71 عامًا موجة غضب واسعة بسبب أزمة السكن، بعدما خرج عشرات الآلاف إلى شوارع مدريد دعمًا لماريكارمن أباسكال، في وقت ارتفعت فيه أسعار المنازل والإيجارات بصورة حادة، وأصبحت الأزمة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا أمام حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.

وأججت واقعة إخراج أباسكال من شقتها على كرسي متحرك، بعد سنوات من النزاع القضائي، الغضب الشعبي، إذ كانت تدفع نحو 500 يورو شهريًا بموجب عقد إيجار قديم، قبل أن تسعى الشركة المالكة للعقار إلى رفع القيمة إلى مستويات لم يكن معاشها التقاعدي يسمح بتحملها، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.

موجة غضب

خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في مدريد السبت للتعبير عن دعمهم لأباسكال والاحتجاج على أوضاع سوق الإسكان، بينما نصب ناشطون، غالبيتهم من الشباب الذين يعتبرون أنفسهم من أكثر الفئات تضررًا من الأزمة، مخيمًا احتجاجيًا في ساحة بويرتا ديل سول وسط العاصمة.

وأعلن سانشيز أن حكومته اليسارية الأقلية تعمل "على مدار الساعة" لتقديم مشروع قانون جديد للإسكان إلى اجتماع مجلس الوزراء الثلاثاء، كما دعا حلفاءه المتفرقين في البرلمان إلى بذل "جهد أخير" للموافقة على إجراءات جديدة، واصفًا القضية بأنها "مسألة إنسانية".

نزاع الإيجار

بدأت قصة أباسكال في عام 1956، عندما استأجر والدها الشقة في مدريد، قبل أن ينتقل عقد الإيجار إليها بعد وفاة والديها، وظلت تدفع قيمة منخفضة نسبيًا بفضل سقف إيجار يعود إلى تلك الفترة، لكن شركة أورباجيستيون اشترت العقار في 2018 وبدأت محاولة رفع الإيجار.

وطالبت الشركة، وفق نقابة المستأجرين، بنحو 2650 يورو شهريًا قبل خفض المبلغ إلى 1650 يورو، لكنها لم تنف نيتها إخلاء أباسكال من الشقة، بينما استمر النزاع أمام المحاكم لسنوات، وأوقفت السلطات القضائية ثلاث محاولات سابقة لإخراجها من المنزل.

وأجبر قرار قضائي أخير المرأة المسنة، التي تعاني إعاقة، على مغادرة المبنى الأربعاء على كرسي متحرك، لتتحول قضيتها سريعًا إلى رمز للاحتجاج على ارتفاع تكاليف السكن، بعدما أصبحت القدرة على الاحتفاظ بالمسكن مرتبطة بصورة متزايدة بمستوى الدخل وسعر الإيجار في المدن الكبرى.

أزمة متفاقمة

ارتفعت الإيجارات في العاصمة الإسبانية بنسبة 61% خلال السنوات الخمس الماضية، وفق بيانات موقع إيدياليستا العقاري، بينما أظهرت دراسة لبنك إسبانيا أن البلاد بنت بين عامي 2021 و2025 نحو 750 ألف مسكن أقل من احتياجات السكان، أي ما يعادل 3.7% من إجمالي الأسر في البلاد خلال العام الماضي.

واتسعت الفجوة بين الطلب والعرض مع زيادة عدد السكان، فيما حمّل حزب الشعب المحافظ الحكومة المركزية مسؤولية تفاقم الأزمة، مشيرًا إلى تأثير سياسات الهجرة ووجود اختناقات بيروقراطية تؤخر عمليات البناء، بينما ردت حكومة سانشيز بأنها أقرت في 2023 قانونًا واسعًا للإسكان تضمن إجراءات للسيطرة على الإيجارات، واتهمت حكومات الأقاليم التي يديرها حزب الشعب بعدم تطبيق عدد من التدابير المخصصة لدعم المستأجرين.

وطالبت نقابة المستأجرين بتشريع عقود إيجار "دائمة"، معتبرة أن السماح لمالك العقار بإنهاء إقامة المستأجر بمجرد انتهاء مدة العقد يمكن أن يؤدي إلى تكرار قضية أباسكال، فيما أكدت النقابة أن المسؤولية عن الأزمة تقع على الحكومة المركزية وحكومة مدريد الإقليمية معًا.

اختبار سياسي

واجه سانشيز كذلك صعوبة في تمرير تشريعات كبرى داخل البرلمان، كما لم يتمكن من إقرار موازنة جديدة منذ إعادة انتخابه عام 2023، ما جعل تمرير أي قانون جديد للإسكان مرتبطًا بقدرته على جمع دعم حلفاء متفرقين ومتباعدين سياسيًا.

وأظهرت الأزمة حجم الضغوط التي يتعرض لها الشباب الإسباني وسكان المدن الكبرى، إذ بات ارتفاع الإيجارات ونقص المساكن يدفعان كثيرين إلى تأجيل الاستقلال عن الأسر أو البحث عن حلول سكنية خارج مراكز المدن، بينما أصبح إخلاء أباسكال مثالًا واضحًا على الصدام بين عقود الإيجار القديمة وارتفاع قيمة العقارات.

وأعاد الاحتجاج فتح النقاش حول حدود تدخل الدولة في سوق الإسكان، ففي الوقت الذي تطالب فيه منظمات المستأجرين بمزيد من الحماية والعقود الطويلة، تدعو قوى سياسية أخرى إلى زيادة البناء وتقليل القيود الإدارية باعتبار أن نقص المعروض هو أحد جذور الأزمة.

وأصبح ملف السكن بذلك اختبارًا سياسيًا متزايد الأهمية أمام حكومة سانشيز، بعدما تحولت قضية أباسكال من نزاع فردي على شقة في مدريد إلى عنوان لغضب أوسع، في بلد يواجه فجوة متنامية بين احتياجات السكان وعدد المنازل المتاحة، بينما تواصل الحكومة البحث عن إجراءات يمكنها تهدئة الشارع ومعالجة أزمة تجاوزت حدود الإيجارات لتصبح قضية اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة.