الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

دلالات تصاعد مخاطر الذكاء الاصطناعي

  • مشاركة :
post-title
الذكاء الاصطناعي- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تزايدت التحذيرات في الفترة الأخيرة من تصاعد مخاطر الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي المخاوف من خروج النماذج المتقدمة عن السيطرة البشرية، وإمكانية التهديد الوجودي إذا استمر تطوير النماذج بوتيرة متسارعة من دون قيود تنظيمية أو تشريعية، بعد أن أعلنت شركات عن خروج نماذج للذكاء الاصطناعي عن السيطرة، وإحداث أضرار غير متوقعة، وهو الأمر الذي تصاعدت معه الدعوات من المتخصصين في مجالات الذكاء الاصطناعي وغيرهم من السياسيين وقادة الرأي حول العالم بضرورة إبطاء وتيرة تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي.

وفي أواخر يوليو الماضي وقّع ما يقرب من 1000 من العاملين في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على عريضة تدعو إلى وضع آلية لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، كما قدّم الباحث جاكوب كوكسون استقالته من شركة أنثروبيك العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، متهمًا الشركة في منشور له على فيسبوك في 8 سبتمبر 2026 بأنها "تقامر بحياتنا من خلال التسابق نحو ذكاء اصطناعي فائق الذكاء، وأن الأشخاص الذين يطورون الذكاء الاصطناعي يعتقدون أنه يمكن أن يقتلنا جميعًا بحلول نهاية العقد". وقد حصدت منشورات كوكسون أكثر من 170 مليون مشاهدة على منصة إكس حتى 14 سبتمبر 2026.

ودفع ذلك العديد من كبار الشخصيات العالمية من بينهم السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز للحديث عن خشيته من أن يفقد البشر سيطرتهم على الذكاء الاصطناعي قبل أن يفرض الذكاء الاصطناعي هيمنته على الجنس البشري. واقترح ساندرز ومعه السيناتور جريج كاسار تشريعًا من شأنه تعليق الذكاء الاصطناعي المتقدم بقوة القانون إلى أن تضع جهة تنظيمية فيدرالية حدودًا للسلامة، داعين إلى أن يحظر التشريع بصورة دائمة تطوير ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي تتجاوز الذكاء البشري، وأن تكون الشركات التي تنتهك القانون عرضه للحل.

وتكمن معضلة الذكاء الاصطناعي الذي أضحى عنصرًا رئيسيًا في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوق العسكري في أن الحكومات تنظر إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية. هذا الواقع المعقد دفع بالولايات المتحدة الأمريكية للاقتراح على الصين، خلال محادثات عقدت في نيويورك 21 سبتمبر 2026 على هامش انعقاد الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يثار تساؤل مركزي مفاده: ما دلالات تصاعد مخاطر الذكاء الاصطناعي.. وهل يفقد البشر السيطرة عليه؟

مؤشرات ضاغطة

تتنوع المؤشرات التي تعكس تصاعد مخاطر الذكاء الاصطناعي، ويمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) تحذيرات الخبراء: في رسالة مطولة من 3800 كلمة نُشرت في 12 سبتمبر 2026 على وسائل التواصل الاجتماعي، أشار الرئيس التنفيذي لـ"أنثروبيك" داريو أمودي، إلى حادثة "هاجينج فيس" (Hugging Face). وهي الحادثة التي ترتبط بأن نماذج الذكاء الاصطناعي التي طورتها الشركة تمكنت من اختراق ثلاث مؤسسات خلال اختبارات للأمن السيبراني، ما زاد المخاوف بشأن قدرة مختبرات الذكاء الاصطناعي على منع تقنياتها من الخروج عن السيطرة. وهو ما جعل "أمودى" يعتبر أن تلك الحادثة تعد سببًا رئيسيًا، لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، محذرًا من أن سربًا من الوكلاء يتمتع بقدرات أكبر، لكنه يعاني مستوى مماثلًا من عدم المواءمة مع الأولويات البشرية، يمكن أن يتسبب في أضرار كارثية، مضيفًا أن سربًا كهذا يمكنه، من حيث المبدأ، السيطرة على الإنترنت بأكمله في غضون 6 إلى 12 شهرًا إذا استمرت قدرات الذكاء الاصطناعي في التسارع من دون ضوابط حماية كافية.

كما حذّر إيلون ماسك من احتمال أن يدمّر الذكاء الاصطناعي البشرية أو ما يعرف في أدبيات الذكاء الاصطناعي بأنصار سيناريوهات الهلاك، حيث قدّر إيلون ماسك أن هذا الاحتمال يمكن أن يصل إلى 20%.

وتصور الخبراء في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن هناك عدة طرق من المحتمل أن يوظف فيها الذكاء الاصطناعي للإضرار بالبشر وفقدانهم السيطرة على تلك النماذج، ومنها: أن يستخدم البشر ذكاءً اصطناعيًا بالغ القدرة عمدًا لتنفيذ عمل كارثي، أو أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في أضرار أثناء محاولته تحقيق هدف كلفه به البشر، أو أن يطوّر الذكاء الاصطناعي هدفًا يتعارض مع مصالح البشر. ولمواجهة تلك المخاطر دعا رؤساء أكبر شركات عاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي هي: أنثروبيك (Anthropic)، وأوبن إيه آي (OpenAI)، وسبيس إكس SpaceX إلى ضرورة تطبيق خطوات جديدة للسلامة، مثل الاستعانة بجهات تقييم مستقلة، داعين القطاع إلى دعم خفض أوسع لوتيرة تطوير مجالات الذكاء الاصطناعي.

(*) تمايز مقاربات القوى الكبرى: رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 14 سبتمبر 2026 فكرة فرض أي ضوابط جديدة على الذكاء الاصطناعي، وانتقد الدعوة إلى ضبط وتيرة تطوير تكنولوجيا تشكل محورًا أساسيًا في أجندته الاقتصادية. وألقى باللوم على ما وصفه بـ"مؤامرة مرضية" في رد فعل الناخبين الرافض لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وتصاعد القلق حيال النماذج المتطورة، مضيفًا أن "الوحيد السعيد بذلك هو الصين".

وتدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقًا اقتصاديًا وأمنيًا طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأمريكية الحساسة. في المقابل، تسعى الصين لتعزيز قدراتها المحلية على تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدم نفسها بوصفها مدافعًا عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي. أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر بلورة تشريعات تنظم عمليات الذكاء الاصطناعي، مستفيدًا من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها، ويمنحه هذا النهج تأثيرًا ملموسًا في صياغة البيئة التنظيمية العالمية.

(*) التوظيف العسكري: بقدر ما يوفر التوظيف العسكري لنماذج الذكاء الاصطناعي من فرص بقدر ما يفرض من تحديات، وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تطرح مقترحًا على الصين، خلال محادثات عقدت بين ممثلين للجانبين في نيويورك في 21 سبتمبر 2026 إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما البعض بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، وهو الأمر الذي يتماشى مع تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانجشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية، بما جعل خبراء أمنيون أمريكيون وصينيون يقترحون ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا، محذرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثل هجومًا متعمدًا من الطرف الآخر. وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار، بما يزيد من خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة عسكرية لم تكن أي منهما تسعى إليه.

(*) تحالف باكس سيلكا: أطلقت الولايات المتحدة مبادرة استراتيجية في ديسمبر 2025 تهدف لبناء سلسلة توريد آمنة ومحفزة للابتكار، وتشمل المعادن الحيوية النادرة، والطاقة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وذلك بالشراكة مع حلفاء رئيسيين لواشنطن.

وقالت وزارة الخارجية الامريكية في بيانها، إن "باكس سيليكا"، هي "مبادرة استراتيجية تقودها الولايات المتحدة بهدف بناء سلسلة توريد آمنة ومزدهرة وموجّهة بالابتكار، في مجال السيليكون، من المعادن والمواد الخام الحيوية ومدخلات الطاقة، وصولًا إلى التصنيع المتقدم، وأشباه الموصلات، وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، واللوجستيات".

وذكرت الخارجية الأمريكية إلى أن المبادرة تستند إلى "تعاون عميق مع الحلفاء الموثوقين"، وتهدف إلى "حماية المواد والقدرات الأساسية للذكاء الاصطناعي، وضمان قدرة الدول المتحالفة على تطوير ونشر التقنيات التحويلية على نطاق واسع". وشارك في هذا التحالف، وفقًا للخارجية الأمريكية (اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهولندا والمملكة المتحدة وإسرائيل والإمارات وأستراليا). وتضم هذه الدول أهم الشركات والمستثمرين الذين يحركون سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي العالمية.

وجاء اسم "Pax Silica" مشتق من الكلمة اللاتينية pax، التي تعني السلام والاستقرار والازدهار طويل الأمد، أما Silica فهي المادة التي تُصفّى لتتحوّل إلى السيليكون، أحد العناصر الكيميائية الأساسية في تصنيع الرقائق الإلكترونية التي تمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد سعت الولايات المتحدة لتوسيع تحالفها الاستراتيجي للذكاء الاصطناعي "باكس سيليكا" بعد انضمام الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا وهولندا واليونان والأرجنتين وتشيلي وبنما، ليرتفع عدد الأعضاء إلى 24.

دلالات مؤثرة

يعكس تصاعد مؤشرات تهديدات الذكاء الاصطناعي العديد من الدلالات التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(-) تصاعد المنافسة الدولية: مع ازدياد تعقيد نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبح واضحًا أن التفوق لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل أيضًا على قدرة الدول الكبرى على تأمين الموارد المادية اللازمة لتشغيلها، وهو الأمر الذي جعل المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي تنتقل تدريجيًا من سباق على الابتكار والبرمجيات إلى سباق على البنية التحتية، حيث باتت القدرة الحاسوبية والطاقة الكهربائية وسلاسل توريد الرقائق عناصر أساسية في تحديد من يستطيع تطوير الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه المنافسة تطرح رؤى مغايرة لتحذيرات شركات الذكاء الاصطناعي بأن تلك الشركات التي تستأثر بتقنيات ومختبرات الذكاء تسعى لاحتكار تلك الصناعة المتقدمة، لا سيما أنها تسعى لتطوير نماذجها وجذب أكبر قدر من العملاء لاستخدامها والفوز بـتأسيس المنصات والبنى التحتية للذكاء الاصطناعي في اقتصادات الدول الناشئة والراغبة في اقتناء مقومات الذكاء الاصطناعي.

(-) بلورة مفهوم السيادة التكنولوجية: أضحت المنافسة على الذكاء الاصطناعي ومغذياته ترتبط بمسألة السيادة التكنولوجية ويعني ذلك أن الدول لم تعد تتنافس على جذب المواهب والشركات التقنية فحسب، بل أيضًا على بناء منشآت ضخمة قادرة على استضافة مراكز البيانات وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة. لاسيما وأن الرقائق المتطورة تمثل العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، بما جعل إنتاجها والتحكم في سلاسل توريدها مسألة ذات أبعاد استراتيجية متزايدة. لذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية للحد من وصول الصين إلى المعادن النادرة التي تتيح إنتاج هذه الرقائق من خلال تنويع القيود التي فرضتها خلال السنوات الأخيرة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين، تعكس إدراكًا متزايدًا للأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا. فامتلاك الرقائق الأكثر تطورًا لا يمنح فقط مزايا اقتصادية، بل يمكن أن يؤثر في القدرات العلمية والعسكرية والتكنولوجية للدول. وفي المقابل، ضخت الصين استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب.

(-) إعادة تشكيل موازين القوى الدولية: أسهم مجال الذكاء الاصطناعي في تزايد السباق ما بين الاقتصادات الكبرى للاستحواذ على السوق العالمية وتطوير بنية الذكاء الاصطناعي ومجالاته ونماذجه. فالاستحواذ على مصادر الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وتدشين مراكز البيانات العملاقة، وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، ومع ازدياد اعتماد الاقتصادات الحديثة عليها أضحى لذلك تأثيره المباشر على موازين القوى الدولية وتراتبيتها داخل النظام الدولي. فالمسيّرات وجيوش الذباب الإلكتروني والأسلحة ذاتية التحكم وتوظيف مقاربات الذكاء في التنمية ستضاف لحسابات القوة الشاملة للدول، والتي بلا شك ستنعكس على مكانتها في النظام الدولي.

مجمل القول؛ تتزايد مخاطر الذكاء الاصطناعي واحتمالية فقدان البشر للسيطرة عليه، وهو ما يعنى ضرورة وضع أطر تنظيمية وتشريعات دولية تنظم حدود توظيف مسارات الذكاء الاصطناعي، وربما يمثل وضع قضية مخاطر الذكاء الاصطناعي على أجندة الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقد في الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر فرصة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وتوظيف فوائده والحد من مخاطره على مستقبل البشرية.