تتصاعد في العقد الحالي تطورات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، ويزداد تبني الدول المختلفة له، كما أن الأفراد بدأوا أن يألفوا استخدام هذه التكنولوجيا، حيث يستخدم ما يقرُب من واحد من كل ستة أشخاص في جميع أنحاء العالم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو الأمر الذي رفع معدل تبني الذكاء الاصطناعي عالميًا من 15.1% في النصف الأول من عام 2025 إلى 16.3% في النصف الثاني من عام 2025.
ومع تزايد استثمار دول المنطقة العربية في الذكاء الاصطناعي حتى لا تتخلف عن الركب العالمي، سيكون هناك تأثير بشكل خاص على سوق العمل، فالذكاء الاصطناعي يعمل على تمكين الآلة لتحل محل الإنسان في أداء العديد من المهام.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على مستوى تبني الدول العربية للذكاء الاصطناعي، مع توضيح انعكاسات هذا التبني على سوق العمل في المنطقة.
مؤشرات دالة
من الأهمية بمكان أن نتعرف على مؤشرات ترتبط بالذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، والتي يُمكن توضيحها على النحو التالي:
(-) معدل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي: ارتفع تبني المنطقة العربية للذكاء الاصطناعي خلال الفترة الأخيرة، إذ شهدت اعتماد متزايد على تقنياته، وأصبح أداة مهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فكما يوضح الشكل (1) تُحقق معظم الدول العربية انتشارًا كبيرًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي بين السكان، فخلال النصف الثاني من عام 2025 ارتفع هذا الانتشار بالمقارنة مع النصف الأول من العام نفسه، ولكن هناك دول شهدت معدل انتشار أعلى من دول أخرى.
ففي الإمارات العربية المتحدة، ارتفع استخدام السكان للذكاء الاصطناعي من 59.4% إلى 64%، وفي قطر ارتفع من 35.7% إلى 38.3%، وفي الأردن ارتفع من 25.4% إلى 27%، بينما في المملكة العربية السعودية ارتفع من 23.7% إلى 26.2%، وفي لبنان ارتفع من 24.8% إلى 25.7%، وفي عُمان من 22.6% إلى 24.2%.
ولكن على الجانب الآخر، شهدت دول أخرى معدلات نمو منخفضة في انتشار الذكاء الاصطناعي، ومن هذه الدول تونس والعراق والمغرب وإيران، ويُمكن تفسير ذلك أن هناك دولًا ما زالت تدرس تأثير التبني الواسع لهذه التكنولوجيا على مؤشرات الاقتصاد المختلفة.
(-) مؤشر الجاهزية الرقمية: يعكس هذا المؤشر مدى تفاوت دول المنطقة العربية في مستوى النضج في تطبيق الذكاء الاصطناعي، بما يشمل البنية التحتية الرقمية، ومستويات الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار، فكما يوضح الشكل (2) تتصدر كلٌ من السعودية والإمارات ومصر وقطر وعمان ترتيب هذا المؤشر، بينما تتأخر دول أخرى في هذا التصنيف، مثل اليمن وسوريا وليبيا والعراق ولبنان، وهو الأمر الذي يوضح أن فجوة الرقمنة تزداد في هذه الدول، بما يؤثر على سوق العمل بشكل كبير.
(-) معدل البطالة: تُعاني أسواق العمل العربية من تشوهات هيكلية عميقة، فاستيعاب العمالة داخل هذه الاقتصاديات لا يزال ضعيفًا، إذ تبلغ بطالة الشباب نحو 26%، وهي أعلى من المعدل العالمي، وبلغ معدل البطالة بشكل عام في المنطقة نحو 10.9% في عام 2025، بالمقارنة بنحو 9.8% في عام 2024، كما يُهيمن القطاع غير الرسمي متجاوزًا 60% من إجمالي العمالة في العديد من الاقتصادات، وهو ما يعني عدم استقرار مستويات التوظيف.
حدود التأثير
يحمل انتشار الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية العديد من التأثيرات على سوق العمل، وهو ما يأتي في النقاط التالية:
(-) الاستغناء عن العمالة البشرية: يرتبط مصطلح الذكاء الاصطناعي بشكل وثيق مع قيام العديد من الشركات بتخفيض العمالة لديها، إذ يتوقع أحدث تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي أن العالم سيفقد 14 مليون وظيفة بحلول عام 2027 (83 مليون وظيفة مُلغاة مقابل 69 مليون وظيفة مستحدثة)، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من المتوقع أن تشهد حوالي 21% من الوظائف تغييرًا كبيرًا خلال الخمس سنوات المقبلة، كما أظهر تحليل أجرته شركة ماكينزي لست دول عربية (البحرين، مصر، الكويت، عُمان، السعودية، الإمارات)، أن نحو 45% من أنشطة العمل الحالية في هذه الدول يُمكن أتمتتها بحلول عام2030.
(-) ارتفاع البطالة الهيكلية: تُعاني معظم دول المنطقة العربية من ارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات، والتي ترتفع عن المعدلات الوطنية بمقدار الضعف أو ثلاثة أضعاف، وهو ما لا يقتصر فقط على نقص فرص العمل، بل تمتد لتشمل ضعف القدرة على التوظيف، إذ يعكس التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي فجوة بين ما يُنتجه نظام التعليم، وما يتطلبه قطاعا التكنولوجيا وريادة الأعمال الناشئان، ففجوة المهارات من أبرز المشاكل التي تواجه سوق العمل العربي في الوقت الحالي، إذ لا تتجاوز نسبة المواهب الرقمية في المنطقة 1.7%.
فبينما يتنافس العديد من الخريجين الشباب على وظائف القطاع العام الشحيحة، يشكو القطاع الخاص من نقص المهارات العملية ومتعددة التخصصات والمستقبلية في سوق العمل، إذ تُحدث الثورة الصناعية الرابعة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي والتعُلم الآلي والأتمتة الذكية، تحولًا سريعًا في بنية سوق العمل.
فالوظائف الروتينية والمتكررة التي لا تتطلب مهارة عالية عُرضة للأتمتة، ووظائف المهارات المتوسطة ستشهد تراجعًا، مثل المهام الإدارية والتحليل الأساسي، والمحاسبة والترجمة والتدريس ومراقبة الجودة المعيارية، وهو الأمر الذي يرفع معدل البطالة الهيكلية بين خريجي الجامعات.
(-) تباين القطاعات في التعرُض للأتمتة: تختلف القطاعات الاقتصادية في درجة تأثُرها بالذكاء الاصطناعي، إذ تأتي الخدمات المالية والمصرفية في مقدمة القطاعات التي تتعرض للتحول، يليها قطاع الأعمال المكتبية والإدارية، إذ يتوقع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 أن تشهد وظائف مثل الصرافين والموظفين الإداريين والمحاسبين انخفاضًا ملحوظًا.
وفي المُقابل، توجد بعض القطاعات الأقل عُرضة للأتمتة، وهي الرعاية الصحية؛ بسبب اعتمادها على التفاعل الإنساني، وقطاع التعليم، فالدور التربوي والتوجيهي للمعلم يصعُب استبداله كليًا بالتقنيات الرقمية، وفي قطاع البناء والتشييد توجد درجة منخفضة من القابلية للأتمتة.
وبالتالي، يُمكن تصنيف التأثيرات المحتملة على القطاعات الاقتصادية من خلال عديد من التعبيرات،" إزاحة عالية" توضح المهن المُعرَّضة إلى حد كبير لفقدان الوظائف مثل صرّافي البنوك، والمسوقين عبر الهاتف، وموظفي الخدمات البريدية، وموظفي إدخال البيانات، "إزاحة متوسطة-عالية" تُشير إلى تأثير كبير مع إمكانية الانتقال إلى وظائف مشابهة، مثل المحاسبين، والمساعدين الإداريين والقانونيين، والسكرتارية، وموظفي الرواتب والمحاسبة.
بينما "إزاحة متوسطة" توضح تأثير معتدل مع إمكانية التكيف عبر إعادة التأهيل، مثل المحللين الائتمانيين، وممثلي خدمة العملاء، وموظفي التخزين واللوجستيات، أما "تحول مع إعادة تأهيل" تعني أن طبيعة المهمات تتغير مع بقاء الحاجة إلى مهارات جديدة، مثل المحللين الماليين والمبرمجين، "تعزيز وليس إزاحة" للمهن التي يسهم فيها الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء من دون تهديد للوظيفة مثل معظم وظائف الرعاية الصحية، ووظائف التعليم، "تعزيز محدود" للتأثير الإيجابي الطفيف في الإنتاجية مع استمرار الطلب في أعمال البناء والتشييد والصيانة، "نمو مع تعزيز" للمهن المتوقع نموها مدعومة بالتقنيات الذكية مثل سائقي التوصيل، والممرضين.
(-) تراجع الصناعات كثيفة العمالة: تُعد الصناعات كثيفة العمالة الأكثر عرضة للخطر من مزاحمة الذكاء الاصطناعي، ففي المملكة العربية السعودية يُمكن أن تؤدى أكثر من نصف المهام التي يؤديها عامل التصنيع العادي بواسطة روبوتات متطورة وأنظمة ذكاء اصطناعي، وتوجد إمكانيات مماثلة في الخدمات اللوجستية التي تتضمن عمليات متكررة بشكل كبير مثل قيادة المركبات ورفع ونقل البضائع.
فأتمتة هذه المهام تُقلل الحاجة إلى العمالة البشرية، والشركات في المنطقة العربية تُجرِّب بالفعل هذه التقنيات من مُشغليَ الموانئ الذين يستخدمون الرافعات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى شركات التجارة الإلكترونية التي تُؤتمت إدارة المستودعات.
وهو ما يُشير إلى أن العقد القادم سيشهد تسارعًا في استبدال الوظائف اليدوية بعمليات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما تتجه إليه شركة مايكروسوفت التي ستعمل على أتمته معظم المهام المكتبية التي تستوجب الجلوس أمام الكمبيوتر خلال الأشهر الـ 12 إلى 18 القادمة.
(-) جذب الكوادر المؤهلة: تُشير بيانات منصات التوظيف إلى زيادة ملحوظة في الطلب على الكفاءات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إذ إن المؤسسات في الوقت الحالي تعطي الأولوية للوظائف التي تُدير أنظمة الذكاء الاصطناعي، تُبسِّط العمليات، وتُقيّم المخاطر المُحتملة، فالذكاء الاصطناعي يعمل على تحسين الكفاءة من خلال تعزيز القوى العاملة بدلًا من استبدالها تمامًا، فالشركات تعمل على إعداد برامج إعادة تأهيل الموظفين على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وهو ما يُسهم في توظيف العامل البشري في بيئة يغزوها الذكاء الاصطناعي.
(-) ظهور وظائف جديدة: يُسهم النمو السريع للذكاء الاصطناعي في ظهور صناعات جديدة في سوق العمل العربية، وبالتالي خلق فرص عمل جديدة، ومن هذه الصناعات تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وخدمات الحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والمركبات ذاتية القيادة، واستكشاف الفضاء، وهذه الصناعات يترتب عليها وظائف مستحدثة مثل مُحللي البيانات، ومُدربي نماذج الذكاء الاصطناعي، ومشرفي الأتمتة.
في هذا النطاق، نستطيع القول إن الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يُغيّر الطلب على المهارات البدنية والاجتماعية والتكنولوجية، بأن يرفع الطلب على كلٍ من المهارات البدنية والتكنولوجية دون الاجتماعية، فالبدنية تشمل القدرة على استخدام الآلات والأدوات، والتكنولوجية تشمل البرمجة وتحليل البيانات، بينما تشمل المهارات الاجتماعية القيادة والعمل الجماعي، وهي أقل تأثُرًا بالحوسبة.
فالذكاء الاصطناعي يُحدث تحولًا جذريًا في قطاعات العمل العربية التقليدية، مثل تجارة التجزئة والبناء وصناعة السيارات، وغيرها من القطاعات، إذ يوجد في المنطقة العربية أكثر من 300 مهنة مختلفة ذات أعلى نسبة استخدام للذكاء الاصطناعي.
ولكن نستطيع القول إن الأثر الصافي للذكاء الاصطناعي على سوق العمل في المنطقة العربية، يعتمد على التوازن بين فقدان الوظائف والوظائف الجديدة المُستحدَثة، بمعنى أنه في حين ستختفي بعض الوظائف، ستظهر وظائف أخرى، لا سيما تلك التي تتطلب العمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي أو تطبيق الحُكم البشري على المهام التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازها بالكامل.
في النهاية، يتضح من هذا التحليل أنه على الرغم من التوقعات الإيجابية لثورة الذكاء الاصطناعي على اقتصاد المنطقة العربية، فالدول تواجه تحولًا هائلًا في القوى العاملة، ناتجًا عن تفاعل قوتين، هم: فائض التعليم والاستبدال التكنولوجي، فمن المتوقع أن تتسارع وتيرة الأتمتة خلال السنوات المُقبلة، خاصة في الدول الأكثر استعدادًا للتكنولوجيا، وستعتمد قدرة المنطقة على استيعاب هذه الصدمة والاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي على مدى مرونة انتقال العمال إلى أدوار جديدة، ومدى فعالية إدارة الحكومات لهذا التحول.
فدون إعادة تقييم عاجلة، تُخاطر الاقتصادات العربية بإهدار عائدها الديموغرافي، وزرع بذور السخط الاجتماعي طويل الأمد، وهو ما يتطلب النظر إلى معدلات البطالة جنبًا إلى جنب مع معدلات انتشار الذكاء الاصطناعي، والخروج بسياسات تؤهل مختلف العاملين لأداء الوظائف التي فرضها عصر الذكاء الاصطناعي.