الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"إعادة الضبط" البريطانية الأوروبية تتعثر على "أبواب السجون"

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

فجَّر قرار الحكومة البريطانية الإفراج المبكر عن آلاف السجناء الأجانب وترحيلهم إلى بلدانهم موجةً من القلق في عواصم الاتحاد الأوروبي، إذ كشفت مجلة "بوليتيكو" الأمريكية، أن دولًا أوروبية عدة تشكو من غياب شبه تام للتنسيق المسبق مع لندن، في مشهد يُلقي بظلاله على مساعي "إعادة الضبط" التي يتبناها حزب العمال الحاكم لإعادة بناء الجسور مع بروكسل.

الأكثر إثارة للقلق

تسير المملكة المتحدة نحو الإفراج عن أكثر من 2500 محكوم عليهم بحلول نهاية العام الجاري، فيما تُجدول السلطات الإفراج عن نحو 700 آخرين مطلع أكتوبر المقبل، غير أن الأكثر إثارةً للقلق الأوروبي هو ما تعتزم الحكومة تطبيقه بدءًا من يناير 2027، حين تُلغي اشتراط قضاء فترة حبس دنيا داخل السجون البريطانية قبل ترحيل المجرمين الأجانب، ما يعني إمكانية طردهم في مرحلة أبكر بكثير مما كان معمولًا به.

وتُشير أحدث أرقام وزارة العدل البريطانية إلى أن الأجانب يشكلون نحو 12% من إجمالي نزلاء السجون، وفي مقدمتهم مواطنو دول أوروبية مثل بولندا ورومانيا، إلى جانب مواطني ألبانيا المُرشَّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

قنبلة موقوتة

نقلت "بوليتيكو" عن خمسة دبلوماسيين أوروبيين تحفظات بالغة الحدة على هذه السياسة، إذ أكدوا أن بلدانهم لا تتلقى سوى إشعار ضئيل أو معدوم قبيل وصول مواطنيها المُرحَّلين.

وقال أحد الدبلوماسيين، طلب عدم الكشف عن هويته: "من الخطورة بمكان إعادة المجرمين دون أي معلومات مسبقة، إذ ينبغي أن يسود نوع من التضامن بين الأجهزة الأمنية لإخطارنا بالإفراج عن أي شخص".

وأضاف دبلوماسي ثانٍ أن عواصم أوروبية باتت تخشى أن يُغادر هؤلاء المُرحَلون الأراضي البريطانية متجهين فورًا إلى مطارات بلدانهم "دون أي قيد"، فيما وصف ثالث الأمر بأنه "قنبلة موقوتة"، محذرًا من أن أي حادثة إجرامية يرتكبها أحد المُرحَّلين كفيلة بإشعال أزمة دبلوماسية حادة، لا سيما مع اقتراب القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة في نوفمبر.

وزاد من حجم الإحباط أن السفارات تجد نفسها في حلقة بيروقراطية مفرغة، إذ كشف أحد الدبلوماسيين لبوليتيكو، أن وزارة الخارجية (FCDO) تُحيلهم إلى وزارة الداخلية، التي تُعيدهم بدورها إلى الخارجية، فيما يتبرأ مكتب مجلس الوزراء من المسألة كليًا.

لندن تدافع عن قرارها

في مواجهة هذا الانتقاد، أكد متحدث باسم الحكومة البريطانية، أن المجرمين الأشد خطورة مستثنون من برنامج الإفراج المبكر كليًا، وأن كل من تتوفر ضده أدلة على نية ارتكاب جرائم مستقبلية سيبقى خلف القضبان، مشيرًا إلى استمرار الحوار مع الشركاء الأوروبيين.

من جهته، أضاف مارك داي، نائب مدير مؤسسة "Prison Reform Trust" للإصلاح الجزائي، سياقًا مهمًا لهذا الجدل، موضحًا لـ"بوليتيكو" أن كثيرًا من هؤلاء المجرمين كانوا سيواجهون الترحيل في نهاية المطاف عند انقضاء محكومياتهم، وأن ما تفعله الحكومة هو تقديم موعد استحقاق الترحيل لا تغيير مآله.

ولفت "داي" إلى أن قرار إخضاع المُرحَّل لعقوبة في بلده يظل رهينًا بالقانون المحلي لكل دولة، وأن بعض المُرحَّلين قد لا يخضعون لأي عقوبة إضافية، في حين قد يواجه آخرون أحكامًا أشد قسوة مما كانوا سيقضونه في السجون البريطانية.

كما أشار إلى أن الترحيل يبقى مقيَّدًا بالتزامات قانونية دولية، في مقدمتها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان واتفاقية اللاجئين.

ملف السجناء يثقل كاهل القمة البريطانية الأوروبية

يتصاعد هذا الجدل في لحظة بالغة الحساسية، إذ تتهيأ لندن وبروكسل لعقد قمة مشتركة تهدف إلى تسهيل التجارة وتعزيز التنقل وتوثيق التعاون المناخي، غير أن طريق هذه القمة مفروش بالعقبات، إذ إن بريطانيا تطالب بإعفائها من قواعد "صُنع في أوروبا" وتسعى لمنح شركاتها أولوية في العقود والمشتريات الأوروبية، بينما تشترط بروكسل تخفيض الرسوم الدراسية المفروضة على الطلاب الأوروبيين في الجامعات البريطانية، وهو مطلب يعتبره القطاع الجامعي البريطاني مُرهقًا ماليًا.

وفي هذا السياق، حذر أحد الدبلوماسيين الخمسة الذين تحدثوا لبوليتيكو، من أن ملف السجناء يمس جوهر الثقة بين الطرفين، قائلًا: "كيف يُعقل أن تطلب بريطانيا منا الثقة وصفة شريك موثوق للحصول على امتيازات في العقود الأوروبية، بينما لا تُخطرنا بمن تُرحلهم إلينا؟ هذا تناقض لا يمكن تجاهله".