بمراسم استثنائية أثارت الجدل، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينج في قاعدة جوينت بيس أندروز الجوية في ولاية ماريدلاند قرب العاصمة واشنطن، في زيارة دولة رفيعة المستوى أعد لها البيت الأبيض بعناية لافتة.
وتأتي هذه الضيافة الاستثنائية في توقيت بالغ الحساسية، رصدته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، مسلطة الضوء على ملفات شائكة تُلقي بظلالها على القمة، في مقدمتها اتهامات بدعم بكين طهران، فيما يواصل ترامب تقديم شي بوصفه "صديقًا شخصيًا" لا منافسًا إستراتيجيًا.
اتهامات متراكمة وترامب يُبرر لبكين
على الرغم من حجم الملفات الخلافية، تكشف "نيويورك تايمز" أن ترامب درج على تقديم مبررات لبكين كلما واجه أسئلة حرجة بشأن سلوكها، إذ وجه ترامب نفسه اتهامات علنية للصين بـ"التدخل الانتخابي الخبيث" في انتخابات 2020 وعرضها في خطاب متلفز في وقت الذروة، إلا أن ملف التدخل غاب عن جدول أعمال القمة، ورفض البيت الأبيض التعليق حين سُئل عنه.
وفي الملف الأشد خطورة، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين متعددين أن شركات صينية زودت إيران بصور أقمار اصطناعية ووصول إلى أقمار تجسس استخدمها الحرس الثوري في ضربات عسكرية بالمنطقة، وأن بكين تواصل تعاملاتها التجارية مع طهران رغم العقوبات الأمريكية.
غير أن ترامب رد على ذلك بالقول إنه طلب شخصيًا من شي عدم التدخل، مضيفًا: "هم غير متورطين فعلًا.. وحين يقولون إن الصين تتجسس علينا أقول نعم، ونحن أيضًا نتجسس عليهم".
وحين سُئل عن تقارير تفيد بأن صور الأقمار الصينية أفضت إلى ضربات أودت بحياة جنود أمريكيين في الأردن، قال ترامب ببساطة: "هم يفعلون ما نفعله".
احتفاء يُقلق الحلفاء ويُثير الكونجرس
رصدت "نيويورك تايمز" موجة استياء داخل الكونجرس وبين حلفاء واشنطن التقليديين إزاء طبيعة هذا الاستقبال، الذي جاء في الوقت الذي صعد فيه ترامب ضغوطه على شركائه الغربيين.
وأعلن السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة، في خطاب بالكونجرس، أنه كان سينصح بعدم توجيه الدعوة أصلًا لـ"الديكتاتور القاسي غير المنتخب الذي يسعى لبسط هيمنته على جيرانه وترسانته العسكرية مصوبة نحو الولايات المتحدة"، مطالبًا بمواجهة بكين على ملفي التسلح ودعم إيران.
في المقابل، برر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الزيارة بالقول إن العلاقة مع بكين "ستُحدد مسار القرن الحادي والعشرين"، مؤكدًا أن التواصل على أعلى المستويات "ضرورة لا ترف".
كما أشارت الصحيفة إلى أن السفير السابق في بكين نيكولاس بيرنز حذر من أن تصرفات ترامب ترسل رسالة خاطئة للحلفاء مفادها أن واشنطن تُقدم علاقتها بـ"شي" على حساب شراكاتها التاريخية، لافتًا إلى أن الصين "تفهم لغة القوة والردع أكثر مما تنجرف وراء الإطراء".
خبراء يتساءلون
على صعيد التحليل الإستراتيجي، نقلت "نيويورك تايمز" عن الباحث جوليان جيفيرتز من جامعة كولومبيا، المتخصص في تاريخ العلاقات الأمريكية الصينية والمسؤول السابق في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، قوله إن الديناميكية هذه المرة انعكست تاريخيًا، إذ كانت بكين هي من تسعى تقليديًا لانتزاع زيارة دولة، بينما بادرت واشنطن هذه المرة بالعرض.
وتساءل جيفيرتز بصراحة: "واشنطن اعتادت توظيف التكريم الرمزي لانتزاع مكاسب حقيقية من بكين.. فما الذي يحصل عليه ترامب لصالح أمريكا مقابل كل هذا الاحتفال؟".
ويأتي هذا التساؤل في ظل جدول أعمال يقتصر وفق البيت الأبيض على ملفات الذكاء الاصطناعي والفنتانيل وانتهاء الهدنة التجارية المؤقتة.
وفي سياق متصل، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، بعد وصول "شي" أن الولايات المتحدة والصين مددتا الهدنة التجارية بينهما مرة أخرى، مع العزم على مواصلة التفاوض بشأن قضايا اقتصادية جوهرية في أعقاب حرب تجارية مدمرة خرجت عن السيطرة في العام الماضي.
وصرح بيسنت، لقناة "فوكس نيوز"، بأن الجانبين عقدا اجتماعًا استمر 12 ساعة الأربعاء، واتفقا على التمديد "لمنحنا مزيدًا من الوقت لمعرفة ما يمكننا القيام به على الصعيد الاقتصادي"، واصفًا الاجتماع بأنه كان "مثمرًا".
شي يملك الوقت.. وترامب على أعتاب انتخابات صعبة
ونقلت "نيويورك تايمز" عن جوناثان تسين من معهد بروكينجز، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية، أن الزعيمين يدخلان هذه القمة من موقعين متباينين تباينًا جوهريًا، إذ إن "شي" يخطط لولاية رابعة تمتد خمس سنوات مقبلة، ويسعى لشراء الوقت وترتيب مرحلة "ما بعد ترامب"، بينما يقف الأخير على أعتاب انتخابات نصفية عسيرة بات حزبه أمام تحديات جدية بفعل بعض سياساته.
ويرى "تسين" أن "شي" يدخل اللقاء مدركًا تمامًا أن ترامب قد يكون "في أحسن الأحوال رئيسًا في أواخر ولايته، وفي أسوأها مُثقلًا بحكومة منقسمة"، ما يجعل الرهان الصيني على الصبر الإستراتيجي أكثر منطقية من أي تنازلات متسرعة.
وتختم الصحيفة بأن سابقة قمة كوريا بين الزعيمين كشفت أن "شي" أبدى فيها برودة وحذرًا لافتَين في مقابل حديث ترامب المطول، ما يُلمح إلى أن بكين تُحكم حساباتها بعيدًا عن أجواء الاحتفاء.