الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماكرون وكارني بـ"سان-بيير".. تحالف جديد في مواجهة طموحات ترامب التوسعية

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

في مشهد استثنائي لم تشهده جزر سان-بيير وميكلون من قبل، التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، على هذا الأرخبيل الفرنسي الصغير المطل على الأطلسي الشمالي، ليبعثا رسالة سياسية مدوية دون أن ينطقا باسمه صراحة، فبينما تتصاعد حدة الحرب التجارية الأمريكية الكندية، وتتراكم التهديدات الأمريكية بضم أراضٍ، اختار البلدان هذه البقعة الجغرافية تحديدًا لإعلان تقاربهما التاريخي، في خطوة رصدتها ووصفتها الصحف بأنها ليست مجرد زيارة دبلوماسية، بل إعلان حلف في زمن الاضطراب.

لقاء الرمز والتاريخ

وصف المراقبون الدبلوماسيون، اللقاء بأنه الأثقل رمزية منذ سنوات، إذ أوضحت "ذا جارديان" أن هذه الزيارة الأولى التي يتجمع فيها رئيسا حكومة البلدين على أرض الجزر في وقت واحد، مشيرة إلى أن آخر زيارة لرئيس فرنسي لسان-بيير وميكلون كانت عام 2014، فيما لم تطأها قدم أي من رؤساء وزراء كندا قط، غير أن ما منح هذا اللقاء ثقلًا استثنائيًا هو توقيته المحسوب بدقة، إذ جاء بعد أسابيع قليلة من نشر دونالد ترامب صورة تُغطي فيها الخريطة الأمريكية كلًا من كندا والمكسيك وجرينلاند وآيسلندا ودول الكاريبي، من بينها سان-بيير وميكلون ذاتها، تحت عنوان صريح: "الولايات المتحدة الأمريكية".

وعلى الرغم من أن اسم ترامب لم يُلفظ ولو مرة واحدة طوال اللقاء، كما أكدت صحيفة لوموند، أن "أحدًا لم يكن يجهل ما يجري"، في إشارة إلى أن الزيارة كانت ردًا ضمنيًا منسقًا على الاستفزازات الأمريكية المتكررة.

خطاب الحلفاء

في تصريحات مشتركة نقلتها لوموند، أعلن كارني بوضوح أن "مجتمعاتنا تتعرض لعواصف جديدة: تداعيات تغير المناخ، وتآكل الأعراف الديمقراطية، وتهديدات جديدة لسيادتنا"، مؤكدًا أن "الوقت قد حان لتوطيد روابطنا".

وذهب أبعد من ذلك حين استحضر، وفق ما رصدته لوموند، ذاكرة الجزر التاريخية، حين اختار أهلها عام 1941، الانضمام إلى فرنسا رفضًا لنظام فيشي، ليُسقط تلك اللحظة على الحاضر قائلًا: "التاريخ يتذكر من يتصرفون، ومن يدافعون عن سيادتهم، ومن يظلون أوفياء لقيمهم".

بدوره، أجابه ماكرون بخطاب يحمل دلالة مزدوجة موجهة لباريس وواشنطن معًا: "نؤمن معًا بالديمقراطية وسيادة القانون والتجارة الحرة النزيهة والعلم أساسًا لقراراتنا والاستقلالية الإستراتيجية التي ندافع عنها"، في مقاربة طالت فيها المسافة بين هذه القيم وأجندة البيت الأبيض الراهنة دون الحاجة لتسميتها.

وأضاف ماكرون بحسب "ذا جارديان"، أنه رد على تساؤلات بشأن تغريدة ترامب برفض قاطع لأي إيحاء بأن الجزر يمكن أن تكون غير فرنسية، مؤكدًا أنه "لا يحتاج لإعادة تأكيد ذلك كل يوم فقط لأن بعضهم يقول أشياء غريبة".

من الرمزية إلى الاتفاقيات الملموسة

تجاوز اللقاء الرمزية السياسية نحو النقاش العملي في ملفات إستراتيجية محورية، فبحسب لوموند، أُعلن عن تعاون وشيك يشمل قطاعات الصيد البحري والفضاء والدفاع والرقمنة، كما يجري العمل على مشروع كابل بحري تحت الماء يربط مدينة بريست الفرنسية بنيويورك، مع محطات ربط تمر بكندا وسان-بيير وميكلون، تؤسسه الشركة الفرنسية SCLES بوصفه ركيزة للسيادة الرقمية الفرنسية.

وعلى الصعيد الأمني، كشف دبلوماسيون فرنسيون، وفق لوموند، أن التدريبات العسكرية المشتركة بين الجيشين الفرنسي والكندي في المنطقة ستتضاعف خلال المرحلة المقبلة.

أما على صعيد الطاقة، وهو الأكثر إلحاحًا في ظل ارتفاع أسعار الوقود بأوروبا جراء التوترات المرتبطة بالحرب في إيران والضغوط على مضيق هرم، فقد أوضح ماكرون لصحيفة "ذا جارديان"، أنه يريد من كندا توسيع صادراتها من الغاز الطبيعي المُسال نحو أوروبا بدلًا من آسيا، مؤكدًا أن "المشروعات الكندية للغاز المُسال مهمة لأوروبا" وأنها قادرة على تخفيف حدة أزمة الطاقة.

شراكة أوروبية كندية

ناقش الزعيمان أيضًا مسار تعميق العلاقة بين أوتاوا والاتحاد الأوروبي، إثر مقترح أوروبي بمنح كندا صفة "العضو المنتسب"، وهو ما أعلن ماكرون تأييده الصريح له بحسب ذا جارديان.

غير أن الطريق ليست مفروشةً بالورود، إذ هدد ترامب الاتحاد الأوروبي برسوم جمركية مشددة وتجميد التبادل التجاري إن مضى في هذا المسار، واصفًا الفكرة بأنها "مثيرة للسخرية".

علاوةً على ذلك، أشارت "ذا جارديان" إلى أن اتفاقية التجارة الحرة "سيتا" المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وكندا، التي بدأ تطبيقها المؤقت عام 2017، لم تُصادق عليها دول أوروبية عديدة حتى اللحظة، من بينها فرنسا ذاتها، بسبب الحساسية السياسية في قطاعها الزراعي.

وكشفت "لوموند" أن الجانب الكندي يبدو متفهمًا لهذا الواقع، إذ قالت إحدى الدبلوماسيات الكنديات صراحة: "نفهم الوضع السياسي الفرنسي، السيتا ليس المكان الذي يجب أن نضع فيه طاقتنا".

بين الفخر الفرنسي والذاكرة الجريحة

لم تكن ردود فعل سكان الجزر متحمسة بالكامل؛ فبينما يفتخر أهلها بانتمائهم الفرنسي، تظل العلاقة مع الجار الكندي الكبير مثقلة بجروح العام 1992، حين فرضت أوتاوا حظرًا تامًا على صيد سمك القد أفضى إلى انهيار اقتصادي حاد طال أسس الحياة في الأرخبيل.

وقالت ماييتيه ليجاس، نائبة رئيس بلدية ميكلون، للوموند: "لدينا ذاكرة جماعية مثقلة بالألم، عام 1992 كان صدمة حقيقية للأرخبيل، كثيرون فقدوا سبب وجودهم".

ودعا ماكرون سكان الجزر إلى تجاوز هذه الصفحة بشجاعة، قائلاً: "علينا الجرأة على القول بأن الوقت قد حان لطيها"، في رهان على أن التعاون الاقتصادي القادم مع كندا سيُعيد لسان-بيير وميكلون حيويتها كمحطة استراتيجية في قلب الأطلسي الشمالي.