على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يلتقي رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنام بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الثلاثاء المقبل، في أول لقاء مباشر بين الزعيمين، وبحسب ما كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية نقلًا عن مسؤولين بريطانيين، فإن هذا اللقاء لن يشبه في شيء ما سبقه من لقاءات بين لندن وواشنطن، لا في الشكل ولا في المضمون ولا في الرسائل المُراد إيصالها.
أرض محايدة وأجواء مختلفة
اختارت لندن بعناية أن يجري اللقاء في مقر الأمم المتحدة بدلًا من برج ترامب الذي احتضن لقاء سلف بيرنام كير ستارمر عام 2024.
وبحسب بوليتيكو، فإن اللقاء المرتقب سيكون واحدًا من سلسلة اجتماعات القادة المتعددة على هامش القمة الأممية، وهو ما يُخفف "حدة الضغط والتدقيق" المصاحبَين لهذا النوع من اللقاءات الثنائية.
ويأتي اللقاء بين خطابَين، أولهما لبيرنام أمام الجمعية العامة مساء الثلاثاء، والثاني لترامب في صباح اليوم ذاته، وهو ما قد يُبدد أي أصداء لما سيقوله بيرنام في خضم الضجيج الذي يُصاحب عادةً تصريحات الرئيس الأمريكي.
لا مجاملات مفرطة
تحدثت بوليتيكو إلى أكثر من اثني عشر مسؤولًا ووزيرًا وعضو برلمان بريطاني، وخلصت إلى أن بيرنام سيسلك مسارًا وسطًا دقيقًا، إذ سيبتعد عن المجاملات المفرطة التي ميزت نهج ستارمر، دون أن يصل إلى حدة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.
والهدف المُعلن، كما نقلته الصحيفة عن مسؤول حكومي بريطاني، هو "تجاوز اللقاء بسلام في بيئة آمنة نسبيًا".
وأكد دبلوماسي بريطاني لبوليتيكو أن بيرنام "لن يُسقط رأسه أمام ترامب كما فعل ستارمر"، مستندًا إلى أن رئيس الوزراء الجديد يمتلك ما لم يكن متاحًا لسلفه: جرعة واقعية من خيبة الأمل تجاه واشنطن، إذ إن ستارمر كان مضطرًا لـ"شراء ود ترامب" في مرحلة حرجة من ملفَي أوكرانيا والناتو، بينما بيرنام يرث اليوم علاقة قائمة، وليس بحاجة إلى البناء من الصفر.
أوكرانيا أولًا وملفات شائكة
لا يحمل بيرنام إلى نيويورك قائمة بمطالب تفصيلية، وفق ما أفادت بوليتيكو نقلًا عن شخصين مطلعين على التحضيرات، غير أن أوكرانيا ستكون في صدارة النقاش، لا سيما بعد أن كانت وجهة بيرنام الخارجية الأولى منذ توليه رئاسة الحكومة.
وطالبت عضو البرلمان العمالي إيميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، بأن يدفع بيرنام ترامب نحو تسريع شحنات صواريخ باتريوت لأوكرانيا قبيل الشتاء.
في المقابل، تتراكم ملفات شائكة خلف الكواليس، أولها قرار مُعلَق بشأن حفر النفط في بحر الشمال، إضافة إلى إنفاق دفاعي مُرجأ حتى 2027 رغم الضغوط الأمريكية، وأيضًا أزمة جزر تشاجوس التي رفض ترامب الاتفاقية المبرمة بشأنها مطلع العام.
وعلى صعيد غزة، تأمل لندن أن يظل الموقف الأمريكي "هادئًا" حيال العقوبات المشتركة التي فرضتها بريطانيا وفرنسا وكندا على المستوطنات في الضفة الغربية.
ورقة ضغط بحدين
يتصدر الذكاء الاصطناعي جدول الأعمال البريطاني بقوة، وترى عضو البرلمان إيميلي دارلينجتون من لجنة العلوم والتكنولوجيا أن لندن قادرة على تقديم "طريق ثالث" بين الانفتاح الأمريكي المطلق والتنظيم الأوروبي المُقيد، مستندةً إلى ما تمتلكه بريطانيا من أرشيف رقمي تاريخي عميق تتهافت عليه شركات النماذج اللغوية الكبرى، إضافة إلى قدرات متقدمة في الحوسبة الكمومية، غير أن الضريبة البريطانية على الخدمات الرقمية تظل عقبة حقيقية تستفز ترامب، فضلًا عن تحذيرات أمريكية من قانون السلامة الرقمية البريطاني وخطط حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون السادسة عشرة، وهو ما وصفه أحد الوزراء البريطانيين لبوليتيكو بأنه "خط أحمر" في المحادثات مع ترامب.
عالم ينظر إلى واشنطن بعيون مختلفة
تنعقد هذه القمة في لحظة فارقة، إذ تتحول بريطانيا وحلفاؤها الأوروبيون بهدوء عن مدار واشنطن.
وقالت أوليفيا أوسوليفان من معهد تشاتام هاوس إن لندن "تختبر حدود تخفيف اصطفافها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة".
وبالغ في الصراحة مسؤول بريطاني رفيع سابق حين أبلغ بوليتيكو: "أمريكا تُلحق ضررًا بالغًا على المدى البعيد بعلاقتها مع حلفائها، فالمؤسسات التي صمدت عقودًا لم تعد قادرة على أداء دورها، لأن واشنطن أثبتت أنها حليف غير موثوق".
وأوجزت ثورنبيري المشهد بعبارة بليغة: "كنا نعقد آمالًا كبيرة على ترامب في أوكرانيا والتجارة، فخذلنا — فتعودنا على خيبة الأمل، ولم نعد نتوقع الكثير".
في المحصلة، كما نقلت بوليتيكو عن مسؤول بريطاني عمل في عهد ستارمر: "آندي كان جنرالًا محظوظًا في مرحلة تهدئة ترامب"، إلا أن المصدر نفسه أضاف بتحفظ واضح: "يمكن أن يتغير كل شيء في غضون أسبوعين".