من قلب الحرب، وبين الخيام والبيوت المهددة بالانهيار وتحت وطأة القصف والخوف، اختار المخرج الفلسطيني حسام أبو دان أن يحمل الكاميرا ليحكي حكاية مختلفة عن غزة؛ حكاية لا تتوقف عند أرقام الضحايا وحجم الدمار، وإنما ترصد الآثار الإنسانية والاجتماعية التي تتركها الحرب خلفها، وتكشف كيف تغيّر المجتمع وأفراده تحت وطأة الصراع.
من هذه التجربة وُلد فيلم "غزة 13"، الذي يمثل أول فيلم روائي يُصوَّر في غزة منذ 12 عامًا، في ظروف استثنائية واجه خلالها فريق العمل مخاطر حقيقية، كان أبرزها إصابة أحد أفراد الطاقم خلال التصوير إثر قصف وقع بالقرب من موقع العمل.
وفي حواره مع موقع القاهرة الإخبارية، يكشف حسام أبو دان تفاصيل الرحلة الشاقة لصناعة الفيلم، وكيف تمكن فريقه من استكمال التصوير رغم غياب الأمان والإمكانات الإنتاجية، ولماذا أصر على أن تُروى قصة غزة "من الداخل" هذه المرة، مؤكدًا أن طموح الفيلم لا يتوقف عند المهرجانات، بل يسعى إلى الوصول إلى العالم كله ونقل صورة مختلفة عن غزة عبر السينما والدراما.
وأوضح أبو دان أن الدافع الأساسي وراء صناعة الفيلم كان تقديم زوايا مختلفة للحرب، لم تحظَ بالقدر الكافي من التناول في الأخبار أو الأعمال السينمائية، قائلًا: "ما حمسني لهذا الفيلم هو أننا أحببنا أن نحكي عن زوايا أخرى لم تتناولها الأخبار بشكل أساسي، وربما لم تتناولها هذه الأفلام أيضًا، أردنا أن نتحدث أكثر عن أثر هذه الحرب على المجتمع في غزة".
وأضاف: "أنا شخص أعيش في غزة، وقد دُمر بيتي، وعانيت أنا وعائلتي ظروف الحرب الصعبة، وشهدت المجاعة وفصل الصيف والخوف، لكن هناك آثارًا أخرى مترتبة على هذه الحرب، آثار جانبية لا تزول في لحظة، وربما لم يتم الحديث عنها بالقدر نفسه الذي تم فيه الحديث عن الأرقام والأحداث".
وتابع: "هذا جزء بسيط جدًا مما يحدث أو مما كشفناه في هذا الفيلم من آثار الحرب التي ما زالت مستمرة حتى الآن، وكيف أصبح المجتمع بشكل كامل مختلفًا عما كان عليه، والفيلم يتحدث بشكل أساسي عن نتائج هذه الحرب".
استهداف الأبرياء
وعن الرسالة التي أراد إيصالها من خلال الفيلم، قال حسام أبو دان: "أردنا أن نقول إن هذه الحرب استهدفت وأثرت بشكل كبير على أناس أبرياء ومدنيين، ووضعت هؤلاء الناس في مرمى الاستهداف بشكل أساسي".
وعن أبرز تحديات العمل، أوضح: "التحديات كانت كثيرة، وربما كان أصعبها أنني كنت دائمًا خائفًا من أننا نصور اليوم، وفي اليوم التالي ربما لا نستطيع التصوير أو إكمال الفيلم".
وأضاف: "أي مشروع يتم وضع جدول تصوير وترتيبات وأيام وظروف خاصة به، ويتم التخطيط لكل شيء، لكن الأمر كان مختلفًا في غزة. رغم أننا قمنا بكل هذه الترتيبات وسرنا فيها بشكل أساسي، فإن الظروف على الأرض كانت مختلفة تمامًا. كان لدي دائمًا تخوف من ألا نتمكن من إكمال المشروع بسبب الظروف أو أي طارئ".
إصابة أحد أفراد الطاقم
وكشف أبو دان عن واقعة صعبة تعرض لها فريق الفيلم خلال التصوير، قائلًا: "هذا الخوف كان في محله، ففي اليوم الرابع من التصوير وقع قصف بالقرب من مكان التصوير، وكانت لحظة صعبة جدًا، وأصيب على إثرها أحد زملائنا في الطاقم، خالد أبو حنان".
وتابع: "كانت لحظة صعبة جدًا، وكان الخوف كبيرًا، أولًا على صديقنا، لأن الأمر كان مرعبًا جدًا، فلا يوجد أمان، وحتى هذه اللحظة لا يوجد أمان. والخوف الثاني كان: هل يمكننا إكمال المشروع أم لا؟".
وأضاف: "لكن الحمد لله، بوجود الفريق المميز والعزيمة على أن نقدم فيلمًا دراميًا نستطيع من خلاله أن نتحدث مع العالم، عدنا إلى العمل مرة أخرى واستكملنا التصوير".
صور في أماكن حقيقية
وعن طبيعة الظروف الإنتاجية، قال المخرج الفلسطيني: "التحديات كانت كثيرة أيضًا، لأنك تعمل في ظل عدم وجود معدات، ولا توجد أصلًا بيئة حاضنة لفكرة العمل الدرامي والعمل السينمائي".
وأوضح: "نحن صورنا الفيلم في أماكن حقيقية في غزة، داخل خيام يسكنها الناس بالفعل، وفي أماكن معرضة للقصف والخطر والانهيار، ودخلنا بيوتًا كانت معرضة للانهيار بالفعل بسبب حالتها".
وأكد أن العمل في تلك الظروف كان تحديًا كبيرًا، قائلًا: "لم تكن هناك حاضنة حقيقية للسينما أو الدراما، ولذلك عملنا الفيلم من الواقع وفي الواقع".
وعن أهمية التجربة بالنسبة للسينما الفلسطينية، قال حسام أبو دان: "هذا أول فيلم روائي بالنسبة لنا، وبالتأكيد سبق أن صُورت أفلام في غزة، وبعضها وصل إلى تورنتو، لكن هذه التجربة كانت مختلفة بالنسبة لنا، خصوصًا مع الظروف التي مر بها هذا الفيلم".
وأضاف: "هذه تجربة كبيرة جدًا بالنسبة لنا، لأننا تمكنا من أن نحكي قصتنا بطريقتنا، دائمًا كان العالم في الخارج يحكي قصتنا بطريقته، وهي طريقة قد تختلف نوعًا ما عنا، وكان يتحدث عن غزة من الخارج، لكن هذه المرة نحن نحكي عن غزة من الداخل، من غزة نفسها".
وتابع: "بالنسبة لي، هذا شيء عظيم، وكانت تجربة كبيرة جدًا، وأتوقع أن تكون لهذه التجربة تبعات على صعيد الدراما الفلسطينية والسينما الفلسطينية، خاصة السينما القادمة من غزة".
الفيلم ليس للمهرجانات فقط
وشدد أبو دان على أن طموح الفيلم يتجاوز المشاركة في المهرجانات، قائلًا: "بكل تأكيد، الفيلم ليس فقط للمهرجانات، وإنما يخاطب كل العالم. يجب أن يصل الفيلم إلى كل العالم، لأنه يمثل مساحة مهمة ليرى العالم غزة بطريقة أخرى، ويرى غزة من خلال السينما والدراما".
وعن عرض الفيلم في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في دورته الحالية، قال حسام أبو دان: "الوصول إلى هذه المساحة شيء عظيم بالنسبة لنا، وهو تأكيد على جدارة السينما الفلسطينية الغزاوية، وقدرتها على نقل صورة من غزة إلى العالم".
وأضاف: "بالنسبة لي، وصول الفيلم إلى هذه المساحة أمر عظيم، لأنه يمنحنا فرصة لنقل صورة غزة من الداخل، من خلال السينما والدراما، إلى جمهور العالم".