حذر مسؤول أممي رفيع من أن السودان لا يزال يواجه "أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم"، في ظل معاناة 20 مليون شخص من الجوع الحاد ونزوح 14 مليونًا، بينما يهدد نقص التمويل قدرة برنامج الأغذية العالمي على مواصلة عملياته، وسط تحذيرات من اضطراره إلى تقليص مساعداته بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة.
وجاء تحذير كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، بعد زيارة استمرت ثمانية أيام شملت الخرطوم ودارفور وكردفان، حيث التقى أشخاصًا نزحوا منذ اندلاع الحرب وآخرين فروا من مناطقهم حديثًا، وقال إن السودان أصبح نقطة تلاقٍ لأزمات الحرب والجوع والنزوح والجفاف ونقص التمويل، بحسب الأمم المتحدة.
خطر المجاعة
أوضح سكاو أن نحو خمسة ملايين شخص يواجهون مستويات من الجوع الطارئ المصنفة في المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص مستويات المرحلة الخامسة، وهي مرحلة المجاعة، في وقت أصبح فيه الوصول إلى المجتمعات المحتاجة أكثر صعوبة بسبب القتال.
وكشف المسؤول الأممي أن الرحلة بين الأبيض والفاشر، التي كانت تستغرق نحو ست ساعات بالسيارة قبل الحرب، احتاجت خلال زيارته إلى ثلاثة أيام، بعدما اضطر وفده إلى السفر جوًا وبرًا عبر مسارات طويلة، مشيرًا إلى أن الرحلة الجوية من الخرطوم عبر انجمينا وأدري استغرقت نحو ثماني ساعات، أعقبتها رحلة برية امتدت نحو 30 ساعة عبر مناطق جبلية.
وأكد سكاو أن العاملين في المجال الإنساني لا يستطيعون عبور خطوط القتال للوصول إلى المجتمعات الموجودة على الجانب الآخر، ما يفاقم أزمة ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
دمار الفاشر
وصف سكاو الوضع في الفاشر بأنه شديد القسوة، بعد 18 شهرًا من الحصار الذي شهد مجاعة و"فظائع لا يمكن وصفها"، مشيرًا إلى أن عشرات الآلاف فقط ما زالوا داخل المدينة التي كانت تضم نحو مليون شخص وتعد عاصمة إقليمية رئيسية.
وقال إن المنازل تعرضت لأضرار واسعة جراء إطلاق النار، وانتشرت السيارات المحترقة في الشوارع، فيما اختفى النشاط الاقتصادي تقريبًا ولم تعد الأسواق تعمل باستثناء أكشاك صغيرة تبيع بعض السلع.
وأضاف أن بعض الأسر عادت إلى الفاشر بعدما لم تجد شيئًا في المناطق التي فرّت إليها، لكنها لم تتمكن من استعادة حياتها الطبيعية، إذ دُمرت منازلها واضطرت إلى البحث عن مأوى في مبانٍ مهجورة أو العيش في أماكن مكتظة.
وقدم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية منقذة للحياة لنحو 20 ألف شخص داخل الفاشر، في وقت أصبحت فيه هذه المساعدات بالنسبة إلى السكان الذين بقوا في المدينة من المصادر القليلة للغاية للغذاء.
أزمة النزوح
أشار المسؤول الأممي إلى أن مخيم زمزم للنازحين، القريب من الفاشر، تحول إلى ما وصفه بـ"مدينة أشباح كاملة" بعد تدمير الأكواخ والمنازل الصغيرة وفرار سكانه، بينما أصبحت طويلة وجهة رئيسية للمدنيين الذين يبحثون عن الأمان.
وأوضح أن نحو 250 ألف شخص إضافي وصلوا إلى طويلة منذ زيارته السابقة في أبريل، ليرتفع عدد سكان المنطقة إلى ما يقرب من مليون شخص، فيما تحسنت بعض الظروف مع توفير الأغطية البلاستيكية والمشمعات وتوسيع برنامج الأغذية العالمي عملياته.
وأكد أن البرنامج يصل حاليًا إلى نحو 950 ألف شخص في طويلة كل شهر، لكن المساعدات لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات، إذ تحصل الأسر على نصف الحصة الغذائية، بما يكفي لنحو أسبوعين فقط، بينما تعاني المنطقة أيضًا نقصًا في التعليم والرعاية الصحية والمأوى والمساحات المخصصة للأطفال.
الجفاف والتمويل
زاد الجفاف من الضغوط على السكان، وقال سكاو إن دارفور لم تشهد جفافًا مماثلًا منذ عام 1984، رغم أن الفترة الحالية هي موسم الأمطار، ما يثير مخاوف من تأثيرات خطيرة على الزراعة والثروة الحيوانية، وهما من أهم مصادر الغذاء والدخل للسكان.
وقال أحد الأشخاص الذين التقاهم سكاو إن السكان يعتمدون على الزراعة وعلى المساعدات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، مضيفًا: "إذا تأثرت الزراعة الآن بالجفاف، وتأثر غذاء برنامج الأغذية العالمي بخفض التمويل، فكيف سنبقى على قيد الحياة؟".
وفي مدينة الأبيض، التي أصبحت ملاذًا للنازحين القادمين من مناطق مختلفة، تضاعف عدد السكان تقريبًا منذ اندلاع الحرب، بينما يعيش النازحون في ثمانية مخيمات إلى جانب المجتمعات المضيفة، لكن هذه المخيمات تجاوزت قدرتها الاستيعابية مع وصول أشخاص اضطر بعضهم إلى السير أربعة أو خمسة أيام بعد تدمير قراهم.
وحذر سكاو من أن نقص التمويل يجبر برنامج الأغذية العالمي على اتخاذ خيارات صعبة، من بينها خفض المساعدات المقدمة إلى أشخاص نزحوا منذ سنوات لإعطاء الأولوية للواصلين الجدد، مؤكدًا أن البرنامج لا يزال يصل إلى أربعة أو خمسة ملايين شخص شهريًا، بينهم نحو 2 إلى 2.5 مليون شخص في مناطق يصعب الوصول إليها.
وشدد المسؤول الأممي على أن التمويل أصبح العقبة الأكبر أمام استمرار العمليات، محذرًا من احتمال تقليص المساعدات بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة إذا لم تتوفر موارد إضافية، وداعيًا في الوقت نفسه إلى تحرك سياسي عاجل لإنهاء الحرب، وقال إن المجتمع الدولي "لا يمكنه الاستمرار في خذلان هؤلاء الناس"، وإن الأولوية يجب أن تكون توفير الأساسيات لهم.