يجد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، نفسه أمام خيار عسير، الأسبوع الجاري، هو إما رفع أسعار الفائدة دفاعًا عن مصداقية البنك المركزي الأمريكي في مواجهة تضخم، أو الإذعان لضغوط الرئيس دونالد ترامب، الذي يطالب بأدنى فائدة في العالم، وبحسب ما رصدته صحيفة فايننشال تايمز، فإن الأسواق حسمت توقعاتها تقريبًا لصالح الرفع، إلا أن الثمن السياسي قد يكون باهظًا.
أرقام التضخم تُغلق الباب أمام التثبيت
لم تمنح بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي كيفن وارش أي مخرج مريح، إذ كشفت أن معدل التضخم السنوي ظل مثبتًا عند 3.4%، أغسطس الماضي، دون أي تحسن عن يوليو.
وأطلق وارش في مؤتمر جاكسون هول، أغسطس الماضي، تحذيرًا مباشرًا، معلنًا أن ارتفاع الأسعار بات "أكثر إثارة للقلق" وأن ثمة "عملًا ينتظر" صانعي السياسة النقدية إن لم يتراجع التضخم قريبًا.
وحين جاءت الأرقام لتؤكد أن التراجع لم يحدث، وجد البنك نفسه أمام استحقاق لا مفر منه.
ويرى نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، روجر فيرجسون، في تصريح لشبكة سي إن بي سي الأمريكية، أن البيانات جعلت تحرك البنك المركزي هذا الأسبوع "أكثر ترجيحًا من عدمه"، مؤكدًا أن شهر سبتمبر بات "الموعد الأنسب للتحرك إن كان وارش وزملاؤه يريدون صون مصداقيتهم".
وول ستريت تُعيد حساباتها
وأحدثت أرقام التضخم موجة من مراجعة التوقعات في كبرى المؤسسات المالية، إذ تحولت بنوك وول ستريت الكبرى من ترجيح التثبيت إلى التنبؤ برفع الفائدة، فقفزت احتمالات الرفع في الأسواق من 50%، مطلع الأسبوع الماضي، إلى ما يقارب 90% بنهاية الجمعة.
وفي الإطار ذاته، أكد مايكل فيرولي من بنك جي بي مورجان، أن التحذيرات المتكررة التي أطلقها وارش بشأن عدم التسامح مع التضخم باتت تُهدد المصداقية المؤسسية للفيدرالي إن لم تُترجم إلى فعل ملموس.
وأضاف ديفيد ميريكل من جولدمان ساكس، أن خطاب جاكسون هول أوجد لدى الأسواق توقعًا راسخًا بأن الرفع قادم حال جاءت بيانات التضخم "غير مُرضية"، وهو ما تحقق بالضبط، معتبرًا أن صانعي السياسة سيخشون ردة فعل السوق لو تراجعوا عن رفع باتت الأسواق تُسعره بشكل شبه كامل.
النفط والحرب يؤججان التضخم
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن سياقه الجيوسياسي، فوفقًا لفايننشال تايمز، تتصاعد موجة الغلاء جزئيًا بفعل ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية مع إيران، فيما أضافت هجمات الحوثيين على السعودية مزيدًا من الضغوط على الإمدادات، خلال الأسبوع الماضي، دافعة خام برنت فوق حاجز الـ100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو، وسجلت أسعار الديزل رقمًا قياسيًا بتجاوزها 6 دولارات للجالون للمرة الأولى في التاريخ.
في هذه الأجواء، لم يتردد ترامب في تجديد موقفه الأحد، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ينبغي أن تمتلك "أدنى معدل فائدة في العالم".
وذهب مدير مجلس الاقتصاد الوطني كيفن هاسيت، أبعد في تصريح لشبكة فوكس نيوز، محذرًا من أن الرئيس "لن يكون سعيدًا" حال صدور قرار الرفع، معتبرًا أن الفيدرالي المستقل ينبغي أن "يبتعد عن التأثير في مسار الانتخابات".
وأشارت فايننشال تايمز إلى أن ترامب أبدى استعدادًا لتحميل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة مسؤولية أي رفع للفائدة، واصفًا إياها بأنها "سياسية" و"معادية".
وارش يختبئ خلف الأغلبية
على الرغم من حدة المواجهة، يرى كبير الاقتصاديين في EY Parthenon، جريجوري داكو، أن تأجيل رفع الفائدة لما بعد انتخابات التجديد النصفي، نوفمبر المقبل، التي ستُحدد السيطرة على الكونجرس في النصف الثاني من ولاية ترامب، لا ينبغي أن يكون جزءًا من نقاش صانعي القرار، رغم تحوله إلى محور رئيسي في نقاشات الأسواق.
ويتوقع "داكو" أن تُقنع وتيرة تراجع التضخم البطيئة أغلبية أعضاء اللجنة بضرورة التحرك، فيما سيستعين وارش بـ"غطاء الأغلبية" ليُصوت لصالح الرفع دون أن يبدو منفردًا بالقرار.