لم تنتهِ فصول مأساة الحادي عشر من سبتمبر بتبدد الدخان وهدوء الغبار، بل امتدت خيوطها سنوات وعقودًا في صمت مُحكم، فبعد خمسة وعشرين عامًا، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن وثائق صادمة تُثبت أن سكان مدينة نيويورك وعمال الإنقاذ تعرضوا لسموم قاتلة في أعقاب الهجمات، بينما كانت السلطات تطمئنهم زورًا بأن الهواء آمن، في حين أن أكثر من 170 ألف وثيقة ظلت طي الكتمان لأكثر من عقدين، أُفرج عنها هذا الأسبوع بأوامر من عمدة نيويورك زهران ممداني، لتفتح ملفًا من أكثر الملفات إيلامًا في تاريخ المدينة.
أسرار في 68 صندوقًا
اطلعت "نيويورك تايمز" على الوثائق قبيل نشرها، فوجدت أنها تضم تقارير جودة هواء وسجلات تلوث ومراسلات داخلية بين مسؤولي المدينة، كانت مخزنة في 68 صندوقًا داخل مكتب حكومي بعيدًا عن أعين العموم.
وبحسب مسؤولي المدينة، لم تُكتشف هذه الوثائق إلا العام الماضي، قبل أن يُقرر العمدة ممداني الإفراج عنها عبر موقع إلكتروني مخصص، اختار العمدة أن يتزامن إطلاقه مع إحياء الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات، فيما تعتزم إدارته مراجعة مزيد من الملفات المحفوظة في المكاتب البلدية وشركات التأمين ونشرها تباعًا.
وقد رصد بن شيفات، المدير التنفيذي لمنظمة 9/11 Health Watch التي رفعت دعوى قضائية لإجبار المدينة على الإفراج عن هذه الوثائق، أن الوثائق تُثبت أن المدينة كانت على علم بخطورة المواد الكيميائية السامة، "حتى في الوقت الذي كان فيه المسؤولون يُطمئنون العامة بأن الهواء آمن ومقبول".
الأسبستوس على بُعد نصف ميل
تكشف الوثائق أن مفتشين كانوا لا يزالون يرصدون آثار الأسبستوس على بُعد نصف ميل من الموقع حتى بعد مرور عشرة أشهر على الهجمات، فيما تُصور سجلات متعلقة بمبنى 15 جون ستريت القريب حجم الفوضى التي اكتنفت عمليات التنظيف، إذ كانت تقارير المفتشين تتوالى يومًا بعد يوم في يوليو 2002 لترصد الأسبستوس على الواجهات والأسطح والكابلات الكهربائية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تُشير قوائم مفصلة أعدتها وكالات مدينة نيويورك إلى جانب وكالة حماية البيئة الأمريكية ومختبرات خاصة إلى وجود تلوث بالأسبستوس والمواد المسرطنة في أجزاء متعددة من مانهاتن، وأحيانًا بمستويات تجاوزت الحدود المسموح بها.
وقد أثبت تدقيق صادر في نوفمبر 2001 أن تركيز مادة البنزين المسرطنة كان لا يزال يرتفع قرب أطلال البرجين، فضلًا عن ارتفاع ملحوظ في تركيز الأسبستوس في الهواء بمكب النفايات في ستاتن آيلاند، وكان يُستخدم لتجميع ركام وحطام برجي التجارة بعد الهجمات.
أما مراسلات بنك دويتشه المجاور مع إدارة حماية البيئة بالمدينة، فقد كشفت وجود الأسبستوس في عينات الغبار بمستويات خطرة في أرجاء المبنى كافة، إلى جانب ملوثات عضوية مسرطنة وفطريات وبكتيريا، وهو ما استدعى في نهاية المطاف هدم المبنى بالكامل.
وثائق تُكذّب المسؤولين
نقلت "نيويورك تايمز" تصريحات صريحة لمسؤولين في تلك المرحلة تتناقض جذريًا مع ما تُثبته الوثائق، إذ أكد رئيس بلدية نيويورك رودولف جولياني في أكتوبر 2001 أن رائحة الموقع مزعجة لكن الهواء "غير خطير على الصحة"، فيما قال خَلَفُه مايكل بلومبرج في فبراير 2002 إن "كل الاختبارات أثبتت أن جودة الهواء ضمن الحدود المقبولة".
وبحسب الصحيفة، اعتذرت لاحقًا كريستين تود ويتمان، رئيسة وكالة حماية البيئة آنذاك، عن تطميناتها تلك.
وفي هذا السياق، كشفت مذكرة داخلية صادرة في فبراير 2002 عن مسؤولة المدينة إستر فوكس أن النائب الأمريكي جيرالد نادلر كان يُحذر من أن الوكالة الفيدرالية "أهملت مسؤوليتها في رصد جودة الهواء الداخلي" وألقت بها على عاتق المدينة التي نقلتها بدورها إلى أصحاب العقارات.
وفي حديثه لـ"نيويورك تايمز"، قال "نادلر" بصراحة: "كانوا يعلمون بخطورة الهواء ولم يفعلوا شيئًا. أظن أن كل ما يعنيهم كان إعادة فتح وول ستريت".
شهادات الضحايا
لا تبقى هذه المأساة حبيسة الأرقام والتقارير، بل تتجسد في شهادات إنسانية موجعة رصدتها "نيويورك تايمز"، إذ تشير ماريسا راميريز دي ارييانو، ثمانينية تقيم بالقرب من الموقع، في رسالتها المحفوظة ضمن الوثائق، مشهدًا لم تنسَه، إلى كيفية لجوئها إلى تنظيف غبار 11 سبتمبر بمناشف ورقية مبللة لأنها لم تُدرك خطورته، وكيف رأت لاحقًا فرقة طوارئ تحفر التربة وتستبدلها باخضرار جديد في الحديقة المجاورة، فتساءلت: "إذا كانوا يعتبرون العشب ملوثًا، فبماذا كنا جميعًا نتنفس؟".
وقد أمضت سنوات تحت رعاية متخصصين في الرئة بعد أن خشي أطباؤها من تضرر دائم في جهازها التنفسي.
أما دينيز فيرزي، فتروي لـ"نيويورك تايمز" كيف فقدت زوجها رجل الإطفاء مايكل فيرزي عام 2022 جراء سرطان الليمفوما المرتبط بعمله في الموقع، قائلةً بمرارة: "كانوا يُطمئنونهم بأن الهواء بخير. ربما كانوا سيتخذون احتياطات مختلفة. لا أفهم لماذا أُخفي الأمر أصلًا".