مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض رواية جديدة عن دوره في أعقاب الهجمات، زاعمًا أن رجلَي إطفاء حملاه بعيدًا بعدما خشيا انهيار مبنى كان قريبًا منه، دون تقديم دليل يثبت الواقعة.
رواية ترامب
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فإن ترامب روّج على مدى سنوات لروايات كاذبة أو غير مثبتة بشأن ما رآه وفعله خلال هجمات 11 سبتمبر وما تلاها، وأضافت أن بعض تفاصيل روايته الأخيرة قد تستند إلى وقائع حقيقية، لكن لا توجد أدلة تثبتها.
وأدلى ترامب بهذه الرواية خلال فعالية في البيت الأبيض لتكريم رجال الإنقاذ الأوائل في هجمات 11 سبتمبر وعائلاتهم، وكان ترامب على بُعد أميال من مركز التجارة العالمي وقت الهجمات، ولم يُنقل من أي مبنى قريب من الموقع في ذلك اليوم.
وقال ترامب: "إنه لن ينسى رجلَي إطفاء ضخمين وقويين أمسكاه من تحت ذراعيه وقالا له: "يجب أن نخرج من هنا"، يقصد من مبنى "ون ليبرتي بلازا"، قبل أن يرفعاه ويبدآ في الركض به، وقال إنه أخبرهما بأنه يستطيع الركض بمفرده، لكنه وصف تصرفهما بأنه كان مذهلًا.
نفي رواية ترامب
وقال مسؤول تنفيذي سابق في مؤسسة ترامب، وفق موقع بوليتيكو عام 2016، إن ترامب لم يقم بأي شيء غير عادي في ذلك اليوم، وفي رواية أخرى تعود إلى العام نفسه، قال ترامب إن واقعة حمله حدثت بعد "يومين" من الهجوم.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الثلاثاء، قال ترامب: "كنت هناك، ليس في نفس يوم الانهيار بالطبع، ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة"، وأكد في المنشور نفسه أن "كل ما قلته كان دقيقًا تمامًا"، رغم عدم تقديم دليل علني على واقعة حمله.
وفي روايته عام 2016، قال ترامب إنه لم يكن داخل المبنى عندما حمله رجال الإطفاء ونقلوه، موضحًا أن المبنى الذي بدا مهددًا بالانهيار "لم يكن بعيدًا عنا".
مخاوف حقيقية
وذكرت شبكة "سي إن إن" أن عمال الإنقاذ والصحفيين أُجلوا من "ون ليبرتي بلازا" في 12 سبتمبر 2001، فيما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" إجلاء عمال الإنقاذ من المبنى مرة أخرى في 14 سبتمبر، وسط مخاوف من انهياره.
وفي مقابلة أجريت في 13 سبتمبر 2001، تحدث ترامب لشبكة "إن بي سي" عن حالة مماثلة في موقع مركز التجارة العالمي، وقال إن صفارات الإنذار كانت تنطلق كل بضع دقائق، فيهرع العمال بعيدًا بسبب هشاشة المباني المحيطة، ثم يعودون للعمل تحت مبانٍ شاهقة لا يعرفون ما إذا كانت ستنهار.
ووصف ترامب آنذاك الوضع بأنه مروع للعمال وللعالم كله، ومن المحتمل أن يكون قد عاش إحدى لحظات الذعر تلك، لكن لا يوجد دليل على ذلك، كما أنه لم يقل لشبكة "إن بي سي" إنه كان يتحدث عن تجربة شخصية له وقت الكارثة، كما لم يذكر الرواية التي ذكرها في الذكرى الـ25 للكارثة.
رواية الإنقاذ
في تصريحاته الأخيرة، قال ترامب: "إنه أخذ فريقًا كبيرًا كان يعمل معه في تشييد مبنى ضخم في نيويورك إلى الموقع مباشرة بعد الهجمات، وإن أفراد الفريق نزلوا معه دون تردد، لكن المجموعة لم تستطع فعل الكثير بسبب حجم الصدمة".
فلم يقل ترامب صراحة إنه أو عماله شاركوا في إزالة الأنقاض أو قدموا مساعدة في عمليات الإنقاذ والانتشال بموقع مركز التجارة العالمي، ولم يقدم دليلًا على عمل فريق تابع له في الموقع، أو على تنظيمه فريقًا للمشاركة في جهود الإنقاذ، بما في ذلك فريق من 100 عامل سبق أن تحدث عن وجوده.
وحسب "وول ستريت جورنال"، قال ريتشارد أليس، المسؤول المتقاعد في إدارة إطفاء نيويورك، إنه أمضى أشهرًا في الموقع ولم ير ترامب هناك، فيما كرر نفس التصريحات خلال رئاسة ترامب عام 2019، وفق صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2019، وأضاف لموقع "بوليتيفاكت" أن إرسال فريق من 100 عامل كان سيترك سجلًا بذلك.
تعليق البيت الأبيض
وذكرت وكالة أسوشيتد برس عام 2016 أن تقارير إخبارية نشرت بعد الهجمات أشارت إلى تبادل ترامب التحية مع ضباط شرطة ومتطوعين كانوا في طريقهم إلى موقع مركز التجارة العالمي.
وعندما طلبت وسائل الإعلام من البيت الأبيض تقديم أدلة أو تفاصيل إضافية بشأن رواية ترامب، لم يقدم البيت الأبيض شيئًا، وقال في رسالة إلكترونية غير موقعة، الثلاثاء، إن ترامب كان "مواطنًا عاديًا في ذلك الوقت، ولم يتم توثيق كل ما فعله".
وفي وقت لاحق، هاجم المتحدث باسم البيت الأبيض ديفيس إنجل وسائل الإعلام، وقال إن ترامب كان يروي تجربته مع المدينة التي كانت تعاني من الصدمة بعد الهجمات وفي الأيام والأسابيع التالية، ووصف إنجل تناول وسائل الإعلام للرواية بأنه "مخزٍ"، وربطه بتراجع ثقة الأمريكيين في وسائل الإعلام.
المبنى اليوم
قال ترامب إن مبنى "ون ليبرتي بلازا" كان يصدر صريرًا شديدًا وقت الهجمات، وأضاف: "ولا يزال يصدر صريرًا"، ولا يوجد أساس علني لهذا الادعاء، إذ أُعيد افتتاح مبنى المكاتب في أكتوبر 2001، بعد أقل من شهرين من هجمات 11 سبتمبر.
ويعمل المبنى بشكل طبيعي حتى اليوم، وهو ما يتعارض مع قول ترامب إنه لا يزال يعاني من المشكلات التي تحدث عنها، وفي المقابل، تؤكد الوقائع الواردة في التقارير أن المخاوف بشأن سلامة المبنى كانت موجودة فعلًا في الأيام التي أعقبت الهجمات.
وعلى الرغم من تأكيد ترامب أن روايته كانت "دقيقة تمامًا"، لم يقدم البيت الأبيض أو الرئيس دليلًا علنيًا يثبت واقعة حمله من جانب رجال الإطفاء، أو وجوده داخل "ون ليبرتي بلازا"، أو مشاركة فريق من العمال التابعين له في جهود الإنقاذ والانتشال، أو سماع صرير من مبنى "ون ليبرتي بلازا".