الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماذا قال قادة الاستخبارات الأمريكية عن ثغرات 11 سبتمبر؟

  • مشاركة :
post-title
عمال الإغاثة حول حطام برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

قبل ساعات قليلة من الهجوم الذي غيّر الولايات المتحدة والعالم، كان جون أونيل، أحد أكثر رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) خبرة في مطاردة عناصر تنظيم القاعدة، قد تقاعد بعد سنوات قضاها في ملاحقة أسامة بن لادن، وبدأ عمله الجديد رئيسًا للأمن في مركز التجارة العالمي.

للمفارقة، كان الرجل الذي أمضى سنوات يحذر من احتمال أن تحاول القاعدة ضرب الولايات المتحدة قد أصبح، من دون أن يعرف، مسؤولًا عن أمن أحد الأهداف التي ستضربها في صباح اليوم التالي. وبحسب جيري هاور، المدير السابق لإدارة الطوارئ في مدينة نيويورك، تحدث أونيل في تلك الليلة مع أصدقائه عن أفغانستان، وقال إنه يشعر بأن تحولًا ما يحدث وأن شيئًا سيقع قريبًا.

في صباح اليوم التالي، دخلت طائرة "أمريكان إيرلاينز" إلى البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي. كان أونيل داخل المبنى. خرج منه بعد الاصطدام الأول، ثم عاد إلى موقع القيادة لمساعدة الآخرين، قبل أن ينهار البرج، وفق تقرير لجنة 11 سبتمبر المشكلة من الكونجرس. 

كان أونيل واحدًا من الذين رأوا تنظيم القاعدة تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة. ففي يناير 2001، دفعت مخاوفه من القاعدة إلى إعداد ورقة مشتركة بين أجهزة حكومية أوصت بزيادة حماية المباني الفيدرالية في مانهاتن، ووصفت بن لادن والقاعدة والجماعات المرتبطة بهما بأنهم يمثلون "تهديدًا واضحًا وفوريًا للمصالح الأمريكية".

مع ذلك، فإن ما حدث كانت قصة أكثر تعقيدًا، فالمعلومات كانت كثيرة وموجودة، لكن أجزاء الصورة كانت موزعة بين وكالات مختلفة. هكذا فإن بعض من رأوا الخطر لم يروا منفذيه، وبعض ممن رأوا المنفذين لم يروا الخطر.

ووفق لجنة 11 سبتمبر، كانت المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي يتعاملان مع المعلومات بشكل مختلف، فالاستخبارات تميل إلى إنشاء منطقة دفاعية (zone defense)، بينما المكتب الفيدرالي يعمل بطريقة (man-to-man)، أي متابعة شخص أو قضية من البداية إلى النهاية.

وخلصت اللجنة إلى أن الفرص الضائعة لمنع الهجمات كانت أعراضًا لعجز أوسع في طريقة إدارة الحكومة للمشكلات الجديدة وكان ينبغي لإدارة الرئيس بوش الابن أن تضمن مشاركة المعلومات وتحديد المسؤوليات عبر الوكالات والخط الفاصل بين العمل الاستخباراتي الخارجي وإنفاذ القانون داخل الولايات المتحدة.

في الواقع لم تكن هناك وكالة واحدة عمياء، بل كانت المشكلة أن أحدًا لم يملك الصورة كاملة في الوقت المناسب.

شئ ما قد يحدث!

في منتصف مايو 2001، وبينما كانت تقارير التهديد المتعلقة بالقاعدة تتزايد، كان ضابط بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) منتدبًا للعمل داخل قسم العمليات الإرهابية الدولية لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي يحاول أن يفهم أين يمكن أن يقع الهجوم المقبل.

لم تكشف لجنة 11 سبتمبر عن اسم الضابط الحقيقي، واستخدمت له اسمًا مستعارًا هو "جون"، والذي كان يبحث في اجتماع القاعدة في كوالالمبور، يناير 2000، في معلومات قديمة تتعلق بالأشخاص الذين ظهروا في ذلك الاجتماع، وكان الأمريكيون لديهم معلومات عن المحضار والحازمي قبل الهجمات بوقت طويل.

وفي 15 مايو، ظهرت أمام جون معلومتان بالغتا الأهمية: خالد المحضار كان يحمل تأشيرة أمريكية، ونواف الحازمي كان قد وصل إلى لوس أنجلوس في 15 يناير 2000. وكان جون يعرف أيضًا أن أحد الأشخاص الذين ظهروا في صور اجتماع ماليزيا تم التعرف عليه باعتباره خالد الذي كانت له صلة بملف تفجير المدمرة الأمريكية "كول".

بحسب رواية اللجنة، كان الأمريكي يدرك خطورة خالد إلى درجة أنه وصفه بأنه "قاتل من العيار الثقيل" (major league killer) ثم توصل إلى استنتاج واضح: وهو أن "شيئًا سيئًا كان يحدث بالتأكيد". لكن تركيزه ظل على ماليزيا دون الانتباه لوجود هؤلاء في الولايات المتحدة. بل لم يقم بلفت نظر زملائه في المكتب الفيدرالي.

وفي مارس 2000، وصلت برقية لوحدة بن لادن بالاستخبارات الأمريكية، تشير إلى أن الحازمي سافر إلى لوس أنجلوس، لكن لم يتخذ أحد إجراءً لمتابعة المعلومة، ولم تكن هناك جهة واحدة تعتبر متابعة الخيط مسؤوليتها. بعد ذلك عثرت موظفة بالمكتب الفيدرالي على معلومات أخرى.

وبحلول أغسطس، أصبح هناك مسار فعلي لمحاولة تحديد مكان الرجلين. لكن حتى هذه الخطوة جاءت متأخرة، ففي 28 أغسطس، أُرسلت إحالة إلى المكتب الفيدرالي في نيويورك تطلب المساعدة في تحديد مكان المحضار، لكنها حملت تصنيف (routine)؛ وهو يعني وفق النظام المعمول به، أن المكتب المتلقي يملك ما يصل إلى 30 يومًا للرد.

مشكلة دمج المعلومات

عندما ظهر توماس بيكارد القائم بأعمال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال الهجمات، أمام لجنة 11 سبتمبر، في أبريل 2004، لم يكن السؤال الذي وُجِّه إليه هو ما إذا كان المكتب يمتلك معلومات عن القاعدة؛ بل كان السؤال الأصعب هو ماذا كان سيحدث لو وصلت المعلومات الموجودة إلى مكتبه في الوقت المناسب؟

وعندما سأله رئيس اللجنة توماس كين عما إذا كان يعتقد أن وصول تلك المعلومات كان يمكن أن يجعله يرى المؤامرة بطريقة مختلفة أو يتصرف بشكل مختلف. لم يقدم بيكارد إجابة حاسمة. قال إنه فكر في الأمر طويلًا، وإنه يجد الفكرة مخيفة. قال: لا أستطيع الإجابة عن ذلك. أظل أتردد بين الاحتمالين بشأنه باستمرار. إنه سؤال يبقيني مستيقظًا ليلًا.

قبل ذلك بثلاث سنوات، كان مدير المخابرات المركزية الأسبق جورج تينيت، قد كتب واحدة من أكثر الجمل إثارة للدهشة في تاريخ ما قبل 11 سبتمبر. ففي 4 ديسمبر 1998، أصدر مذكرة إلى عدد من كبار مسؤولي الوكالة ونائب مدير إدارة شؤون المجتمع الاستخباراتي، قال فيها: "نحن في حالة حرب. ولا أريد أن ندّخر أي موارد أو أفراد في هذا الجهد، سواء داخل وكالة الاستخبارات المركزية أو داخل مجتمع الاستخبارات".

لكن المفارقة أن المذكرة، بحسب لجنة 11 سبتمبر، لم تؤدِ إلى تعبئة شاملة لمجتمع الاستخبارات. لم يرها سوى عدد محدود من الأشخاص، بل وقال معظم من قابلتهم اللجنة، إنهم لم يكونوا قد رأوها قبل 11 سبتمبر أو لم يعرفوا بها إلا بعده. وكذلك مدير وكالة الأمن القومي (NSA) آنذاك، اعتقد أن المذكرة تخص الاستخبارات المركزية، وليس الوكالة التي يرأسها.

هكذا خلُصت اللجنة إلى أن مدير المخابرات المركزية لم يكن يملك سلطة كاملة على بقية مجتمع الاستخبارات، وأن الحكومة الأمريكية لم تمتلك قبل 11 سبتمبر بنية موحدة لدمج معلومات هذه الوكالات الفيدرالية. كما لم تكن هناك حتى بنية معلوماتية مشتركة تسمح بتجميع بيانات مكافحة الإرهاب عبر المؤسسات المختلفة.

أيضًا، في 24 مارس 2004، عندما وقف أمام لجنة 11 سبتمبر تحت القسم، جادل ريتشارد كلارك المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي بأن إدارة الرئيس جورج بوش الابن بوش خلال الأشهر الأولى من 2001 "لم تتعامل مع خطر الإرهاب بالدرجة نفسها من الإلحاح" التي كان يراها ضرورية، بينما كانت تقارير التهديد تتزايد.

وفي المقابل، سجلت لجنة 11 سبتمبر أن التحذيرات كانت تتصاعد بصورة حادة خلال صيف 2001، وأن كبار المسؤولين تلقوا إحاطات وتقارير متكررة حول احتمال وقوع هجوم كبير.

كنا نعرف أكثر مما تتخيل

في مقابلة موثقة مع FRONTLINE عام 2005، قال مايكل شيوير، الذي ترأس وحدة بن لادن في المخابرات المركزية خلال النصف الثاني من التسعينيات، إن الوكالة كانت تعرف بحلول عامي 1998 و1999 أن بن لادن يمثل تهديدًا "غير مسبوق" بين التنظيمات الإرهابية، وإن الوكالة كانت قد جمعت بحلول صيف 1998 "كمية استثنائية من المعلومات" عن القاعدة وأهدافها وتنظيمها وقدراتها.

وفي مقابلة أخرى عام 2006، بعد خروجه من الوكالة، كان أكثر حدة في تقييمه للمؤسسات الأمريكية. فوصف مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه: "مؤسسة مختلة عفا عليها الزمن".

وارتباطًا بطريقة تعامل الوكالات الأمنية الأمريكية مع المعلومات، جاءت شهادة علي صوفان، العميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي والمتخصص في مكافحة الإرهاب، أمام مجلس الشيوخ عام 2009، لا لتتناول إمكانية منع هجمات 11 سبتمبر بقدر ما كانت تتعلق بما حدث بعد الهجمات، وبالصراع داخل الحكومة الأمريكية حول كيفية الحصول على المعلومات من أعضاء القاعدة الذين وقعوا في الأسر.

ظهر صوفان بين الشهود أمام لجنة فرعية في مجلس الشيوخ في 13 مايو في جلسة رسمية بعنوان "أين حدث الخطأ؟ التعذيب ومكتب المستشار القانوني في إدارة بوش"، وقدم دفاعًا عن أساليب الاستجواب التي استخدمها المكتب، وقال إن المحققين استطاعوا الحصول على معلومات مهمة من المعتقلين عبر الحوار والاستجواب التقليدي، في مقابل انتقاده للأساليب القسرية التي ارتبطت لاحقًا ببرنامج المخابرات المركزية.

لا تعني هذه الشهادة أن كل المعلومات التي حصلت عليها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، جاءت من الأساليب التي دافع عنها، أو أن كل المعلومات التي حصلت عليها الاستخبارات كانت بلا قيمة. لكنها تكشف أن الخلاف لم يكن فقط حول ما يعرفونه، وإنما أيضًا حول كيف ينبغي الحصول على المعلومات وكيف يمكن الوثوق بها.