بشكل طبيعي، السياسيون في أنحاء العالم، خاصةً في الغرب، من الصعب الوثوق بأقوالهم. والآن، فإن الإعلانات الانتخابية التي تولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تغمر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، جعلت من الصعب على الجمهور الأمريكي الوثوق فيما يراه ويسمعه.
وكما يشير تقرير لموقع "أكسيوس"، تراجعت ثقة الأمريكيين في السياسيين والمؤسسات بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بينما يقول خبراء التكنولوجيا السياسية إن إعلانات الحملات الانتخابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تزيد من هذا التآكل.
وينقل التقرير عن نيت بيرسيلي، المدير المشارك لمبادرة الذكاء الاصطناعي في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد: "أعتقد أنه من الصحيح أن الأمريكيين يفقدون الثقة في المؤسسات النخبوية لإخبارهم بما هو صحيح وما هو غير صحيح، والذكاء الاصطناعي يزيد من حدة هذا الاتجاه".
ويشير إلى أنه "كلما زاد استهلاكنا للوسائط الاصطناعية، قلَّ احتمال قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والزيف، وقلَّ اهتمامهم أيضًا".
قلة الثقة
أخيرًا، أطلق كين باكستون، مرشح مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، إعلانًا واقعيًا لحملته الانتخابية يستهدف المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو، والذي استخدم في إنشائه الذكاء الاصطناعي؛ لتقديم بعض تصريحات منافسه الأكثر إثارةً للجدل، والتي تم تجريدها أحيانًا من سياقها.
ويشير التقرير إلى أن إعلان تالاريكو الاصطناعي "قام بدمج وإعادة تغليف التصريحات التي أدلى بها تالاريكو حول النوع والأديان، وأحيانًا كان يجردها من سياقها الأصلي. وقد استند الإعلان إلى تصريحات حقيقية، لكنه غيّر بعض كلمات تالاريكو مع استخدام نسخة مولدة بالذكاء الاصطناعي منه لإلقائها".
ويأتي إعلان باكسون وسط رد فعل عنيف أوسع ضد الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك معارك متزايدة الوضوح حول مراكز البيانات.
نقل "أكسيوس" عن سارة كريبس، مديرة معهد سياسات التكنولوجيا بجامعة كورنيل: "يبدو أن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه اليمين واليسار هو عدم ثقتهم بالذكاء الاصطناعي. إنهم يريدون الأصالة، لا الهراء الذي يولده الذكاء الاصطناعي"، مشيرة إلى أن الشك المستمر واليقظة يمكن أن يصبحا مرهقين؛ لأنهما مجرد "مصدر إزعاج"، مما يدفع الناس إلى افتراض أن المحتوى مزيف حتى يثبت العكس.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلل من ثقة الجمهور حتى عندما لا ينخدع الناس. فوفق بيرسيلي "الضرر الرئيسي الناجم عن صعود وسائل الإعلام التي تُنشئها تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يكمن في انخداع الناس بما يُنتجه الذكاء الاصطناعي".
ويضيف أن القلق الأكبر يكمن في "قدرة جهات خبيثة على اعتبار محتوى حقيقي مجرد تزييف عميق".
وتؤكد كايلين أوكونور، عالمة نظرية المعرفة بجامعة كاليفورنيا، أنه حتى عندما يدرك الناخبون أن الإعلان مصطنع، قد يستمر تأثيره العاطفي "إذا رأيت شخصية عامة تقول شيئًا سيئًا أو تفعل شيئًا سيئًا، فقد تظل لديك مشاعر سلبية تجاهها نتيجة لذلك".
تشريعات معدومة
يلفت "أكسيوس" إلى أنه "ليس كل الذكاء الاصطناعي السياسي مخادعًا بنفس القدر". فعلى سبيل المثال، كانت الإعلانات الكرتونية لمرشح منصب عمدة لوس أنجلوس سبنسر برات أشبه بـ "الميمات" منها بالتزييف العميق.
لكن في الحالتين حتى الآن، يكاد التشريع الفيدرالي يكون معدومًا بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدعاية السياسية، فقط العديد من الولايات تشترط الإفصاح عن تقنية التزييف العميق للإعلانات التي يحتمل أن تكون خادعة وتفرض قيودًا أقل صرامة على والمحتوى الساخر بشكل واضح
في نيويورك، طلب الديمقراطيون في الولاية أخيرًا من مسؤولي الانتخابات التحقيق في إعلان دعائي للمرشح الجمهوري لمنصب حاكم الولاية، يستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي، بدعوى افتقاره إلى تصنيفات تُشير إلى أنه "مضلل بشكل جوهري". ويقول المرشح الجمهوري إن الإعلان كان ساخرًا.
ويؤكد التقرير أنه "بدون قواعد أكثر وضوحًا، يواجه الناخبون مجموعة متباينة من معايير الحملات الانتخابية القائمة على الذكاء الاصطناعي، مما قد يدفعهم للابتعاد عن الحقائق المشتركة ويزيد من تآكل الثقة في السياسيين".