كشفت التحولات الأخيرة في سياسات الطاقة الأوروبية عن عودة الاهتمام بالغاز الطبيعي باعتباره ركيزة لأمن القارة، بعدما دفعت الحرب في إيران والحرب الروسية الأوكرانية العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في خططها للتخلص السريع من الوقود الأحفوري، فيما برزت النرويج باعتبارها موردًا رئيسيًا يمكن الاعتماد عليه لتقليل مخاطر الطاقة، بحسب موقع "بوليتيكو".
وأعادت هذه التطورات تسليط الضوء على محطة كارستو لمعالجة الغاز على الساحل النرويجي، التي كانت أوروبا تنظر إليها قبل سنوات باعتبارها جزءًا من صناعة تسعى إلى تجاوزها، لكنها أصبحت الآن أحد مراكز الاهتمام مع اقتراب الشتاء وتراجع مخزونات الغاز الأوروبية، إلى جانب مخاوف بعض القادة من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
أمن الطاقة
دفعت الحروب المتواصلة في إيران وأوكرانيا أوروبا إلى البحث عن إمدادات غاز أكثر أمنًا، بعدما أصبحت الطاقة النظيفة والحد من الانبعاثات أقل أولوية مقارنة بالحفاظ على الكهرباء والتدفئة واستمرار عمل المصانع، فيما اقتربت مستويات تخزين الغاز في القارة من أدنى مستوياتها التاريخية مع اقتراب الشتاء.
وحذرت مستشارة سابقة لرئيس المفوضية الأوروبية من أن الاعتماد على مصادر خارجية يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسية، معتبرة أن الأوروبيين باتوا أكثر حذرًا من تكرار تجربة الاعتماد المفرط على مورد واحد، خصوصًا في ظل مخاوف من استخدام احتياجات الطاقة في المفاوضات التجارية والأمنية مع واشنطن.
وأصبحت النرويج في هذا السياق موردًا أساسيًا، إذ وفرت العام الماضي نحو ثلث احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز و14% من احتياجاته من النفط الخام، بينما يمر ما يقرب من ربع إنتاج الغاز النرويجي عبر محطة كارستو، قبل نقله إلى أسواق أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا.
إنتاج متزايد
أعادت أزمة الطاقة فتح النقاش في النرويج حول استغلال المزيد من احتياطيات النفط والغاز في الجرف القاري، بعدما تراجع إنتاج الغاز خلال العقد الماضي، في وقت أصبحت فيه أمنية توفير الإمدادات أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى أوروبا.
وألغت شركة "إكوينور"، التي تدير محطة كارستو وأكبر منتج للنفط والغاز في النرويج، هذا العام هدفها الخاص بالتوسع في الطاقة المتجددة، مع الإبقاء على التزامها بتحقيق صافي انبعاثات صفري، والتركيز مجددًا على تطوير أنشطة النفط والغاز في الجرف القاري النرويجي.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة أندرس أوبيدال أن العملاء الأوروبيين يواصلون الاستثمار في الطاقة المتجددة، لكنهم في الوقت نفسه يبرمون عقوداً طويلة الأجل للغاز، مشيرًا إلى أن "إكوينور" وقعت أخيرًا عقدًا لتوريد الغاز لمدة 15 عامًا مع شركة "يونيبر" الألمانية.
سباق النرويج
استغلت الحكومة النرويجية هذا التحول لتعزيز استثماراتها في الجرف القاري، إذ تمتلك نحو ثلثي أسهم "إكوينور"، بينما شدد وزير الطاقة تيرجي آسلاند على أن إستراتيجية بلاده تقوم على أن تكون موردًا طويل الأجل للنفط والغاز إلى الأسواق الأوروبية.
وأعلن آسلاند أن الهدف لا يتمثل في الوصول إلى رقم محدد للإنتاج، وإنما في تحقيق "أعلى إنتاج ممكن"، في وقت تشير تقديرات الهيئة النرويجية لإدارة الموارد البحرية إلى أن إنتاج النفط والغاز قد ينخفض بنحو الثلث بحلول 2050 في أفضل السيناريوهات، وقد يتراجع بأكثر من النصف وفق السيناريو الأساسي.
وحاولت شركات الطاقة والحكومة تعويض هذا التراجع المتوقع عبر زيادة الاستثمارات والبحث عن اكتشافات جديدة، خصوصًا في بحر بارنتس شمالي البلاد، مع الاعتماد على تقنيات حديثة مثل الطائرات المُسيَّرة والروبوتات تحت الماء والذكاء الاصطناعي لرسم الخرائط وتحسين عمليات التنقيب والإنتاج.
تناقض أوروبي
كشفت أزمة الطاقة عن مفارقة واضحة في النرويج، إذ تنتج البلاد كميات ضخمة من النفط والغاز لكنها تستهلك قدرًا محدودًا منه، وتعتمد بدرجة كبيرة على السيارات الكهربائية والطاقة الكهرومائية التي توفر نحو 90% من الكهرباء المحلية.
وحافظ المسؤولون النرويجيون في الوقت نفسه على خطاب متوازن تجاه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ شدد وزير الطاقة على أهمية الغاز الطبيعي المسال الأمريكي لأمن الطاقة الأوروبي، بينما أكدت إدارة ترامب أن الولايات المتحدة توفر إمدادات "وفيرة وموثوقة" لحلفائها.
وأظهرت شركة "إكوينور" بدورها حرصًا على تأكيد استثماراتها في قطاع الطاقة الأمريكي، بالتزامن مع تسويقها لمشاريع الرياح البحرية في أوروبا؛ في محاولة للجمع بين استمرار إنتاج الوقود الأحفوري والاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة.
وأشارت آن ميتلر، المستشارة السابقة لرئيس المفوضية الأوروبية، إلى أن أوروبا تقول شيئًا عن التحول الأخضر لكنها تفعل شيئًا آخر، موضحة أن النفط والغاز ما زالا يمثلان أكثر من نصف استهلاك الطاقة النهائي في القارة، في الوقت الذي تواصل فيه دولها شراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.