أعلن الديوان الملكي النرويجي، اليوم الجمعة، وفاة الملك هارالد الخامس في مستشفى بالعاصمة أوسلو، عن عمر ناهز 89 عامًا، إثر إصابته بعدوى بكتيرية حادة في الدم، وبرحيله تطوي النرويج صفحة من أكثر العهود الملكية ثراءً وإثارة في تاريخها الحديث، إذ قضى خمسة وثلاثين عامًا على العرش، جمع فيها بين صون الموروث الملكي العريق واحتضان رياح التغيير بجرأة لافتة.
وقال رئيس الوزراء يوناس غار ستوره في بيانه، وفق ما نقلت صحيفة واشنطن بوست: "أحب هارالد النرويج حبًا عميقًا، وأحبته النرويج بالقدر ذاته، فقد أعاننا على أن نرى أفضل ما فينا."
طفل الحرب
وُلد هارالد في الحادي والعشرين من فبراير 1937 في مقر سكاوجوم خارج أوسلو، ليكون أول أمير نرويجي المولد منذ ما يزيد على خمسة قرون، بعد أن ظلت البلاد دهرًا في وصاية الدنمارك والسويد قبل استقلالها عام 1905، غير أن طفولته الهادئة لم تدم، فحين اجتاحت القوات الألمانية النرويج في أبريل 1940، فرت والدته الأميرة مارثا به وبشقيقتيه إلى السويد أولًا، ثم أبحرت بهم إلى الولايات المتحدة بدعوة شخصية من الرئيس فرانكلين روزفلت، فيما لجأ والده وجده إلى لندن لتأسيس حكومة نرويجية في المنفى.
وبحسب واشنطن بوست، أقامت الأسرة في البيت الأبيض ومنزل روزفلت في هايد بارك بنيويورك، ثم في منزل بمنطقة بيثيسدا بولاية ماريلاند، وقد ظل هارالد طوال حياته يستحضر بفخر ذكرى وقوفه خلف روزفلت في حفل أداء اليمين الدستورية الرابعة عام 1945.
وفي خطاب عام 2015 بمدينة سياتل، أكد أن تلك السنوات الخمس الأمريكية تركت في قلبه "موضعًا خاصًا لا يُمحى".
عاد هارالد إلى النرويج عقب انتهاء الحرب، ليتلقى تعليمه في أوسلو ثم في الأكاديمية العسكرية التي تخرج فيها عام 1959، قبل أن يواصل دراسته في جامعة أكسفورد، متخصصًا في التاريخ والاقتصاد والسياسة.
وإلى جانب مسيرته الأكاديمية والعسكرية، برز رياضيًا استثنائيًا، إذ مثل النرويج في الإبحار الشراعي في ثلاث دورات أولمبية متتالية، بداية من طوكيو 1964، ومكسيكو سيتي 1968، وميونيخ 1972، ولم يُعلن اعتزاله التنافس الرياضي إلا عام 2022، وهو في الخامسة والثمانين.
تولى العرش رسميًا في يناير 1991 عقب وفاة والده الملك أولاف الخامس.
قصة حب هزت العرش
لعل أعمق ما نقشه هارالد في وجدان النرويجيين قصته العاطفية التي تحدت الأعراف الملكية الراسخة، إذ أحب سونيا هارالدسن، ابنة تاجر ملابس وطالبة جامعية لا تنتمي إلى أي نسب أرستقراطي، وخاض معها علاقة سرية متقطعة امتدت تسع سنوات في مواجهة رفض والده الملك أولاف الخامس الصريح.
وبحسب ما كشفت صحيفة نيويورك تايمز، أبلغ هارالد والده في نهاية المطاف بحسم لا لبس فيه: إما أن يُجيز زواجه من سونيا، وإلا بقي أعزب طوال حياته، ليذعن الملك أخيرًا، ويُجرى حفل الزفاف عام 1968 في أوسلو، ليُحوّل هارالد ما بدأ فضيحةً ملكية إلى تقليد عائلي راسخ، إذ سار ابنه ولي العهد هاكون على الدرب ذاته حين أعلن عام 2001، بعد زواجه من ميتي ماريت تيسيم هويبي، التي كانت نادلة سابقة ومطلقة وأم لطفل، وهو ما أثار موجة جدل شعبي واسعة، غير أن هارالد وقف داعمًا لاختيار ابنه، فتحول الزفاف إلى احتفال وطني استقطب آلاف النرويجيين الرافعين الأعلام.
وكذلك ابنته الأميرة مارثا لويز، التي تزوجت عام 2002 من الكاتب آري بيهن، قبل أن ينتهي زواجهما بالطلاق عام 2017، ويموت بيهن منتحرًا بعدها بعامين.
ثم أعلنت الأميرة خطوبتها عام 2022 من دوريك فيريت، الأمريكي الأسود الذي يعرّف نفسه بأنه شامان.
تزوج الاثنان عام 2024، وشبّهت وسائل الإعلام النرويجية تداعيات هذا الزواج بأزمة الأمير هاري وميجان ماركل في الأسرة المالكة البريطانية، حيث أُعفيت مارثا لويز من واجباتها الملكية الرسمية، غير أن الملك هارالد وصف خلافه مع صهره بأنه "اختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية."
ملك الدموع
على امتداد عهده، حرص هارالد على أن يكون قريبًا من مواطنيه في لحظات الشدة، بعيدًا عن البرود البروتوكولي، ففي أعقاب مذبحة يوليو 2011 التي أودت بحياة 77 شخصًا في هجومَي العاصمة وجزيرة أوتويا على يد المتطرف أندرس بريفيك، وقف هارالد أمام الأمة بعيون دامعة في حفل التأبين الوطني، ودعا مواطنيه إلى التمسك بالوحدة ورفض الخوف.
وكان قد بادر عام 1997 إلى الاعتذار رسميًا لشعب السامي القطبي عن سياسات الاضطهاد الثقافي التي طاردته قرنين متتاليين.
وفي عام 2016، ذاع صيته دوليًا بخطابه الشهير في حديقة القصر الملكي، حين أعلن بصوت مرتجف من العاطفة: "النرويجيون هم أنتم... من يؤمنون بالله أو الكون أو بلا شيء، من يحبون من يختارون"، معانقًا التنوع الديني والاجتماعي وحقوق الجميع بلا مواربة.
وبحسب واشنطن بوست، قاد هارالد كذلك الفصل النرويجي لصندوق الطبيعة العالميWWF لعشرين عامًا متواصلة، وهو أول ملك تُسمّى باسمه قطعة من القطب الشمالي.
وقد أعلن عام 2024 تخفيف أعبائه الملكية لدواعٍ صحية، لكنه رفض التنازل عن العرش قطعيًا، قائلاً: "القسم الذي أديته يدوم مدى الحياة، الأمر بهذه البساطة".
يخلفه على العرش ابنه ولي العهد هاكون، فيما يترك وراءه زوجته الملكة سونيا، وابنته الأميرة مارثا لويز، وستة أحفاد.