الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بعد حرب إيران.. واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
القوات الأمريكية بدوريات في حقول النفط بالقرب من الحدود الشمالية الشرقية لسوريا

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

ناقش مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أمريكيون بصورة غير معلنة خيارات لتقليص عدد القوات والمنشآت التي تحتفظ بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في حال نجحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إنهاء الحرب مع إيران، في خطوة قد تُمثّل تحولًا جديدًا في سياسة واشنطن تجاه المنطقة بعد أكثر من عقدين من التدخلات العسكرية المستمرة، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.

وجاءت هذه المناقشات بينما لا يزال نحو 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في الشرق الأوسط، إلى جانب حاملتي طائرات وأكثر من عشرة مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، فيما بدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إعادة بعض عناصرها إلى المنطقة بعد سحبهم خلال ذروة القتال، ما يعكس استمرار أهمية المنطقة رغم بحث البنتاجون عن صيغة جديدة للوجود الأمريكي فيها.

إرث الحروب

زاد الوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي في الشرق الأوسط بصورة كبيرة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما أنشأت واشنطن ووسعت شبكة واسعة من القواعد والمنشآت الدائمة لدعم عملياتها في أفغانستان والعراق وسوريا ومناطق أخرى، إضافة إلى تنفيذ مهام لمكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإيراني.

ووصل عدد القوات الأمريكية في المنطقة إلى نحو 250 ألف جندي خلال غزو العراق، بينما ظل العدد بين 100 ألف و60 ألف في فترات مختلفة خلال السنوات التالية، قبل أن تبدأ واشنطن في خفضه تدريجيًا مع تغير أولويات الإدارات المتعاقبة.

وحاول الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما دفع واشنطن نحو تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط وتوجيه موارد أكبر إلى آسيا، قبل أن يعيد صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتصاعد التوتر مع إيران الولايات المتحدة إلى المنطقة مرة أخرى.

ثغرات الحرب

كشفت الحرب مع إيران عن نقاط ضعف في البنية العسكرية الأمريكية بالشرق الأوسط، بعدما تعرضت قواعد ومنشآت أمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت لهجمات بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة الإيرانية.

ودمرت ضربة إيرانية، بحسب مسؤول أمريكي وضابط استخبارات سابق، موقعًا تابعًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الرياض بصورة شبه كاملة، فيما تعرضت منشآت عسكرية أخرى لأضرار وصفت مصادر مطلعة بأنها كبيرة.

ودفعت هذه الهجمات مسؤولي وزارة الدفاع إلى إعادة تقييم مدى ملاءمة استمرار الانتشار العسكري المكثف في منشآت مُعرَّضة للصواريخ والطائرات المُسيَّرة، خصوصًا مع تصاعد تكلفة إصلاح القواعد التي تضررت خلال الحرب.

قواعد تحت الأرض

بحث الجيش الأمريكي أيضًا تعزيز حماية القوات والمنشآت التي ستبقى في المنطقة بعد انتهاء الحرب، بما في ذلك نقل بعض المنشآت إلى مواقع تحت الأرض لحمايتها بشكل أفضل من الصواريخ والطائرات المُسيَّرة.

وأشارت مصادر إلى أن البنتاجون ناقش هذه الفكرة قبل اندلاع الحرب، لكن الهجمات الإيرانية جعلتها أكثر إلحاحًا، بعدما أثبتت قدرة طهران على الوصول إلى منشآت كانت واشنطن تعتبرها محمية بدرجة كبيرة.

ورأى مسؤول أمريكي أن نقاط الضعف كانت معروفة منذ فترة، لكن الولايات المتحدة لم تتعامل معها بالسرعة اللازمة، ما دفع المسؤولين بعد الحرب إلى دراسة إعادة توزيع القوات والمنشآت بدلًا من إعادة بناء كل ما دمرته الضربات.

انتشار أقل

أعدَّ المسؤولون العسكريون عدة خيارات لإعادة تشكيل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، يمكن تنفيذ بعضها اعتبارًا من العام المقبل، مع الإبقاء على المواقع الإستراتيجية اللازمة لإطلاق الطائرات وتنفيذ العمليات العسكرية.

وتضمنت الأفكار تقليص عدد القوات في دول خليجية وإسناد جزء أكبر من أعباء الدفاع إلى الحكومات الإقليمية، فيما قد تختار واشنطن في بعض الحالات عدم إعادة بناء منشآت دمرتها الهجمات، بسبب التكلفة المرتفعة وعدم وضوح الحاجة إلى استمرار وجود دائم فيها.

ونقل مسؤولون عن قيادات في البنتاجون رغبتها في خفض حجم القوات الأمريكية المتمركزة في عدد من دول الخليج، ضمن توجُّه أوسع يدفع الحلفاء إلى تحمُّل مسؤولية أكبر عن أمنهم.

عمليات بلا قواعد

بحثت وكالة الاستخبارات المركزية والقيادة الخاصة الأمريكية كذلك إمكانية تنفيذ بعض المهام الحساسة دون الحاجة إلى انتشار دائم في المنطقة، عبر إبقاء الأفراد والمعدات في الولايات المتحدة وإرسالها إلى الشرق الأوسط عند الحاجة لتنفيذ مهام محددة ثم إعادتهم.

وقد يُشكّل هذا النموذج بديلًا عن الانتشار التقليدي طويل الأمد، خصوصًا في ظل تعرض القواعد الثابتة لخطر الهجمات وفي ظل ارتفاع تكلفة حمايتها وإعادة بنائها.

لكن تحقيق هذا التحول يظل مرتبطًا بمستقبل الحرب مع إيران، إذ لا تزال طهران تستهدف قواعد أمريكية في المنطقة، بينما لم تتوصل واشنطن وطهران إلى تسوية نهائية تنهي الصراع.

حسابات سياسية

جاءت إعادة التفكير في الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط أيضًا في ظل رغبة ترامب، منذ ولايته الأولى، في تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية والتركيز على خصوم آخرين، وفي مقدمتهم الصين.

لكن أزمات المنطقة المتكررة حالت دون تنفيذ انسحابات شاملة، بعدما دفعت تطورات مثل صعود تنظيم الدولة الإسلامية واغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى إعادة واشنطن إلى الشرق الأوسط.

ويواجه ترامب حاليًا معضلة مشابهة، إذ يسعى إلى إنهاء الحرب مع إيران، بينما لا يوجد جدول زمني واضح لمعرفة المدة التي قد تحتاجها سياسة الضغط الاقتصادي الجديدة لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

ويرى محللون أن القيادة الإيرانية قد تكون مستعدة لتحمُّل أشهرًا من الضغوط الاقتصادية، ما يعني أن واشنطن قد تضطر إلى الإبقاء على بعض قواتها في المنطقة لفترة أطول، حتى مع خططها لتقليص الوجود الدائم.

مستقبل غامض

توقعت وزارة الدفاع الأمريكية الإبقاء على بعض القواعد الرئيسية في الشرق الأوسط، لكن إعادة بناء المنشآت المتضررة قد تعتمد على استعداد الدول المضيفة للمشاركة في تحمل التكلفة، التي قد تصل إلى مليارات الدولارات.

وفي المدى القصير، يرجح المسؤولون استمرار تعرض القوات والمنشآت الأمريكية في الدول المجاورة لإيران لهجمات، فيما أكد قائد العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال داريل كودل أن القوات لن تعود إلى البحرين، مقر الأسطول الخامس، "في أي وقت قريب".

وبذلك فتحت الحرب مع إيران الباب أمام مراجعة واسعة للانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، من خلال تقليص القوات والمنشآت الدائمة، وتعزيز الدفاعات، والاعتماد على عمليات مؤقتة عند الحاجة، في محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على القدرة العسكرية الأمريكية وحماية القوات وتقليل كلفة وجود استمر أكثر من عقدين.