تصاعدت حدة التوترات داخل الحزب الجمهوري الأمريكي مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، إذ كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن قيادات الحزب باتت تنظر إلى الرئيس دونالد ترامب بوصفه عبئًا انتخابيًا لا رصيدًا؛ في ظل تراجع متسارع في شعبيته وتصريحات متكررة تصطدم بمخاوف الناخبين حول التضخم وارتفاع أسعار الوقود والحرب المستمرة في إيران، وبينما يُعِد الجمهوريون العدة لمؤتمرهم في دالاس على أمل توحيد صفوفهم، يتكشف يومًا بعد يوم أن بعض مرشحيهم يفضلون الابتعاد عن ترامب على الظهور إلى جانبه.
ترامب يُشعل غضب قاعدته الانتخابية
تكشف الصحيفة البريطانية عن تقاطع مصدري الأزمة في نقطة واحدة، وهي أن ترامب يتجاهل ما يُقلق الناخبين، فعلى صعيد الاقتصاد، يعاني المواطنون الأمريكيون طوال العام من ثقل التضخم وارتفاع الأسعار، رغم أن ترامب وعد خلال حملته عام 2024 بترويضه.
وعلى صعيد الحرب، تمتد العمليات العسكرية في إيران لستة أشهر متواصلة متجاوزةً كل التوقعات، وهي حرب أشعل فتيلها في تناقض صريح مع تعهداته بتقليص التدخلات العسكرية الخارجية، ويدفع ثمنها المواطن الأمريكي من فاتورة الوقود المرتفعة.
غير أن ترامب وصف كل هذا بأنه مجرد "تفاهات"، وهو ما دفع عددًا من نواب حزبه في الدوائر المتأرجحة إلى التبرؤ منه علنًا.
وقال النائب مايك لولر، المنخرط في معركة إعادة انتخاب محتدمة، لشبكة "سي إن إن": "الحرب ليست تفاهات بأي حال، إنها شأن بالغ الخطورة".
جبهة ثالثة تُوسّع الهوّة مع الناخبين
لم تقتصر الأزمة على الاقتصاد والحرب، بل فتح ترامب جبهةً ثالثة بمهاجمته المعارضين لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، قائلًا إن من يرفضها يختار "الفقر والجريمة والبؤس"، في وقت تتنامى فيه حدة الرفض الشعبي لهذه المشاريع حتى بين صفوف بعض الجمهوريين أنفسهم.
وكشف استطلاع، نشرته شبكة إن بي سي نيوز، أن 69% من الأمريكيين يعارضون إنشاء هذه المراكز في مناطقهم، مقابل 31% فقط يؤيدونها، مما يجعل موقف ترامب المتشدد مغامرةً انتخابية محفوفة بالمخاطر.
جموح ترامب وعواقبه
نقلت فايننشال تايمز عن المستشار الجمهوري كيفن مادن من مجموعة بنتا الاستشارية بواشنطن، قوله إن المشرعين يعودون أسبوعيًا إلى دوائرهم ليجدوا الناخبين غارقين في هموم المعيشة، فيما يواصل ترامب التهوين من هذه المخاوف، مضيفًا: "هذا يجب أن يتغير". وذهب المستشار الجمهوري ومسؤول الحزب السابق دوج هاي، إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن الجمهوريين أيدوا كل ما طالب به ترامب، وها هم اليوم يجنون مرارة تراجع شعبيته في "موقف بالغ الحرج"، دون أن تكون بيدهم أداة واحدة للتأثير في سلوكه أو تصريحاته.
وختم بعبارة تلخص المأزق: "إنه موضوعه المفضل، ولا شيء في مقدورهم حيال ذلك".
أزمة التمويل وغياب المؤتمر
تمتد الأزمة لتطال المال والحضور معًا، فعلى صعيد التمويل، كشفت فايننشال تايمز أن ترامب تأخّر طويلًا في ضخ أي دعم مالي من صندوق "ماجا" الذي يتخطى 400 مليون دولار، ولم يُعلَن سوى عن تخصيص 10 ملايين دولار لدعم المرشح الجمهوري للسيناتور كين باكستون المقرب منه، في حين لا يزال كثير من المرشحين الجمهوريين يتساءلون إن كانوا سيحظون بأي دعم وإن كان الوقت قد فات.
وقال المستشار الجمهوري جون فيهيري: "السؤال هل سيُنفق ترامب ما لديه لأنه قد يُحدث فارقًا كبيرًا، لكنه لن يُنفق على من لا يدعمه، ببساطة لن يفعل". وعلى صعيد الحضور، أعلن عدد من الجمهوريين المنخرطين في معارك انتخابية حامية، من بينهم زاك نون من ولاية آيوا وديفيد فالاداو من ولاية كاليفورنيا وتوم باريت من ولاية ميشيجان، مقاطعتهم مؤتمر الحزب الجمهوري في دالاس، وقال باريت لبوليتيكو: "لا أستطيع التحكم فيما سيقوله الرئيس، لكنني أستطيع التحكم في أين أكون وماذا أفعل".
المحللون يُحذرون
تتشكّل الصورة الكبيرة بوضوح في أروقة التحليل السياسي، إذ خلص المحلل المخضرم تشارلي كوك، في مذكرة نقلتها فايننشال تايمز، إلى أن التراكم السلبي لولاية ترامب الثانية بات يضاهي أو يتجاوز ما واجهه الرؤساء كلينتون وبوش الابن وأوباما في أشد لحظاتهم صعوبةً.
وباتت توقعات المراقبين تميل بوضوح نحو استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب، بل تمتد بعض التقديرات لاحتمال كسبهم الأغلبية في مجلس الشيوخ أيضًا.
ويبقى الرهان الجمهوري الأخير على قدرة ترامب في تحريك قاعدته للتصويت، وهو ما يعترف به مسؤولو الحزب أنفسهم، غير أن ذلك وحده لن يكفي إن استمر في نفور الناخبين المستقلين الذين يرون فيه، وفق ما أوردته الصحيفة، رئيسًا منشغلًا ببناء صرح شخصي في واشنطن على حساب همومهم اليومية.