كشفت دراسة أعدتها جامعة تل أبيب ونقلتها صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية، أن المنظومة الصحية الإسرائيلية تمر بأزمة هجرة كوادر طبية غير مسبوقة، إذ فقدت إسرائيل 509 أطباء خلال عامَي 2023 و2024، بمتوسط 255 طبيبًا سنويًا، يمثل قفزة تبلغ خمسة أضعاف المعدلات المسجلة بين عامَي 2010 و2019، في حين يأتي هذا النزيف المتسارع في سياق الحرب على غزة، وما أفرزته من ضغوط سياسية وأمنية واجتماعية دفعت شريحة واسعة من الأطباء إلى الرحيل.
تصاعد متواصل والأرقام تكسر سقفها كل عام
رصدت الدراسة، التي استندت إلى بيانات المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، منحنىً تصاعديًا حادًا في أعداد الأطباء المغادرين بدأ يتسارع منذ تشكيل حكومة نتنياهو واندلاع الحرب على غزة، ففي عام 2021 غادر 116 طبيبًا، ثم ارتفع الرقم إلى 135 عام 2022، قبل أن يقفز إلى 181 طبيبًا عام 2023، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 328 طبيبًا عام 2024.
وتمثل هذه الأرقام صافي الهجرة الفعلية، أي من غادر ولم يعد، إذ تكشف الدراسة أن 530 طبيبًا غادروا عام 2024 لفترات مطولة، لم يُقرر العودة منهم سوى 202 طبيب.
وعلى صعيد عام 2025، تُقدر الدراسة أن نحو 419 طبيبًا تركوا البلاد، استنادًا إلى مؤشر الإقامة خارجها لثلاثة أشهر متواصلة على الأقل وعلاقته التاريخية بالهجرة طويلة الأمد، في انتظار صدور البيانات الرسمية النهائية.
التخصصات الدقيقة الأكثر رحيلًا
تتصدر فئة الجراحين قائمة المغادرين، إذ أحصت الدراسة نحو 188 جراحًا غادروا بين 2023 و2025، يمثلون قرابة 6% من أصحاب التراخيص في التخصصات الجراحية، موزعين بين جراحة العظام والتجميل والمسالك البولية والأوعية الدموية وجراحة الأعصاب والقلب والصدر والأطفال واليد.
وفي السياق ذاته، سجلت تخصصات الأمراض الجلدية والعيون والأنف والأذن والحنجرة خسائر موازية، إذ غادر 116 طبيبًا يُشكلون 6.2% من كوادرها.
ولم تسلم التخصصات الأخرى من هذا النزيف، إذ غادر 215 طبيبًا من الطب الباطني، و98 من التخصصات المساندة كالتخدير والأشعة وعلم الأمراض، فضلًا عن 72 طبيبًا في أمراض النساء، و51 في الطب النفسي، و39 في العناية المركزة وطب الطوارئ.
الهجرة تتجاوز الشباب وتطال أصحاب الخبرة
ما يُضاعف حجم الأزمة أن الهجرة لم تعد قاصرة على الأطباء الشباب الباحثين عن التدريب والتخصص في الخارج، بل باتت تطال شريحة الأطباء المخضرمين، إذ كشفت الدراسة أن نسبة من تجاوزوا الـ45 عامًا بين المغادرين ارتفعت إلى 23% خلال الفترة بين 2023 و2025، مقارنةً بـ14% فقط في العقد السابق، وهو ما يرجح أن قسطًا متزايدًا من هذه المغادرة يعكس قرارًا بالرحيل النهائي لا بالغياب المؤقت.
ويزيد المشهد تعقيدًا أن الفئة الأكبر عددًا بين المغادرين ضمت 353 طبيبًا بلا تخصص مسجل، أي ما يعادل 2.1% من هذه الفئة، مما يدل على أن الظاهرة تمتد لتشمل أطباء في مرحلة ما قبل التخصص، فلا تقتصر على الكفاءات المتمرسة وحدها.
باحثون يحذرون والعتبة الحرجة تقترب
أمام هذه المعطيات، أطلق باحثو جامعة تل أبيب تحذيرًا صريحًا مفاده أن المنظومة الصحية الإسرائيلية تقترب من نقطة اللاعودة، حين يستعصي تغيير المسار ويُصبح كل طبيب مغادر حافزًا لآخرين على السير في طريقه.
وأكد الباحثون أن أي صدمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية إضافية قد تُشعل موجة هجرة مفاجئة تتجاوز طاقة الاحتواء، مطالبين بمعالجة ظاهرة هجرة الأطباء باعتبارها "خطرًا على الدولة" يستوجب التحرك الفوري، قبل أن تتراكم التداعيات الصحية والاقتصادية إلى حدٍ يصعب معه التعافي.