تُهيمن الصين على سوق الروبوتات الصناعية عالميًا، إذ إنه لطالما لعبت الروبوتات دورًا مهمًا في الاقتصاد الصيني، وفي الوقت الحالي تحوّل سوق الروبوتات في الصين من مجرد نماذج أولية من الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى تقنيات الروبوتات الأكثر نضجًا، لا سيما تلك المُستخدمة في المصانع، إذ إنها أحدثت نقلة نوعية في قطاع التصنيع الصيني، من خلال أتمته خطوط التصنيع الروتينية مثل القطع واللحام والتجميع والنقل داخل المصنع، وبالتالي تَمكّن قطاع التصنيع الصيني الضخم من الارتقاء في سلاسل القيمة الصناعية العالمية.
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على مؤشرات سوق الروبوتات الصناعية في الصين، مع توضيح الانعكاسات المختلفة لتطور هذه السوق.
مؤشرات السوق
يُمكن التعرف على مؤشرات سوق الروبوتات الصناعية في الصين من خلال النقاط التالية:
(-) معدل الإنتاج والنمو: ضخت الصين رؤوس أموال ضخمة ودعمًا ماليًا وحوافز سياسية في مجال الروبوتات في إطار الخطة الصناعية واسعة النطاق "صنع في الصين 2025"، فوفقًا للاتحاد الدولي للروبوتات، كان أكثر من 2 مليون روبوت صناعي يعمل في المصانع الصينية عام 2024، وتم تركيب ما يقرب من 300 ألف وحدة في عام واحد فقط، أي أكثر مما تم تركيبه في بقية دول العالم مُجتمعة.
في السياق ذاته، أرست الصين قاعدة متينة ورائدة لصناعة الروبوتات البشرية على مستوى العالم. فقد شحنت الشركات المُصنعة المحلية 14.400 روبوت بشري خلال عام 2025، مستحوذة على 84.7% من حصة السوق العالمية، ما يُعني أن أكثر من 80% من الروبوتات البشرية في العالم تُصنع في الصين، وتجاوز حجم السوق لسلسلة التوريد الصناعية الكاملة 8.5 مليار يوان صيني، ليشمل تصنيع الآلات بشكل كامل والبحث والتطوير للمكونات الأساسية، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المُدمجة.
وإضافة إلى ذلك جمعت الصين أكثر من 140 شركة متخصصة في الروبوتات البشرية، من بينها شركتا UnitreeRobotics وAgibots اللتان تستحوذان معًا على أكثر من 75% من الشحنات المحلية، ويُمكن القول إن هذه الإجراءات التي اتخذتها الصين مهدت الطريق أمام قفزة نوعية في صناعة الروبوتات عام 2026، إذ يُشير الشكل (1) أن الإنتاج الشهري من الروبوتات الصناعية في الصين ارتفع من 12.9 ألف روبوت أبريل 2019 إلى 93.2 ألف روبوت أبريل 2026، أي بمعدل نمو يبلغ 621.9%.
ووفقًا للشكل (2) سيتجاوز إنتاج الصين من الروبوتات الشبيهة بالبشر 100 ألف وحدة نهاية عام 2026، بنمو سنوي قدره 594%، ومن المتوقع أن يصل حجم التسليم النهائي السنوي إلى 50 ألف وحدة، ما يُمثل أكثر من 90% من عمليات التسليم العالمية، فمع التشغيل الكامل لمصانع ذكية تابعة لشركات رائدة تضم 10 آلاف وحدة، يُحقق القطاع تسليمًا شهريًا يبلغ 1000 وحدة، إذ إنه في النصف الأول من عام 2026 بلغت شحنات الروبوتات البشرية عالميًا نحو 19.100 وحدة، مُسجلة ارتفاعًا بنسبة 272 % على أساس سنوي، واستحوذت الصين على أكثر من 97% من هذه الشحنات العالمية، خلال تلك الفترة، وفقًا لتقرير صادر عن شركة أبحاث السوق الأمريكية "سمارت أناليتكس جلوبال".
(-) معدل التركيب السنوي للروبوتات الصناعية: يوضح الشكل (3) أن الصين أصبحت تفوق دول العالم في معدل التركيب السنوي للروبوتات الصناعية بداية من عام 2021، ففي هذا العام قامت الصين بتركيب 275 ألف روبوت صناعي جديد، مقارنة بـ251 ألف روبوت على مستوى باقي دول العالم، وارتفعت هذه الفجوة إلى 295 ألف روبوت للصين، مقابل 247 ألف روبوت لباقي دول العالم، الأمر الذي يوضح التسابق الصيني الكبير نحو توطين الروبوتات الصناعية في مختلف قطاعات التصنيع.
(-) حجم السوق: أوضح تقرير Fortune Business Insights أن قيمة سوق الروبوتات الصناعية في الصين بلغ 6.31 مليار دولار أمريكي، عام 2024، بحجم 304.3 ألف وحدة، ومن المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 20.33 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032، مُسجلًا معدل نمو سنوي مركب قوي بنسبة 13.9%، وفي نهاية عام 2026 من المتوقع أن يتجاوز حجم السوق المتكامل 20 مليار يوان صيني بمعدل نمو صناعي يبلغ 120% من عام 2025 إلى 2030، في ظل معدل نمو سنوي مُركب عند 106%.
ويذكر أن الدوافع نحو نمو سوق الروبوتات الصناعية في الصين بهذا الحجم تتمثل في التبني السريع لتقنيات الأتمتة في مختلف مرافق التصنيع، إذ تزداد وتيرة استخدام الروبوتات الصناعية في قطاعات مثل السيارات والإلكترونيات والمعادن والآلات والسلع الاستهلاكية، لتحسين كفاءة العمليات وخفض تكاليف الإنتاج، فضلًا عن دافع ارتفاع شيخوخة السكان في الصين وتقلص القوى العاملة.
انعكاسات مواتية
يحمل التطور الصيني في سوق الروبوتات الصناعية عددًا من الانعكاسات واسعة النطاق، التي يتم توضيحها فيما يلي:
(-) تطور قطاع التصنيع الصيني: ينتج عن التطور الملحوظ في سوق الروبوتات الصناعية في الصين تسارع وتيرة التحول نحو التصنيع الذكي، والأتمتة الصناعية، ومبادرات الثورة الصناعية الرابعة، فقطاع التصنيع الصيني شهد نموًا بوتيرة أسرع شهر أغسطس 2026، إذ ارتفع مؤشر مديري المُشتريات التصنيعي العام الصيني "PMI" الصادر عن مؤسسة Rating dog إلى 51.5 نقطة في هذا الشهر، مقارنة بـ50.9 نقطة في شهر يوليو. فقد قفز قطاع تصنيع السيارات بشكل كبير، إذ بلغ حجم إنتاجه 2.57 مليون وحدة في يوليو 2026، مقارنة بنحو 1.67 مليون وحدة في فبراير2026، إذ إن هذا القطاع يأتي ثاني أكبر القطاعات المُستخدمة للروبوتات الصناعية بعد قطاع الإلكترونيات.
(-) تغيير بوصلة الميزة التنافسية العالمية: طالما أن الروبوتات أصبحت العمود الفقري للتصنيع والخدمات اللوجستية المتقدمة، فإن التقدم الصيني الكبير في إنتاجها واستخدامها، سيُعيد هيكلة طريقة عمل قطاعات صناعية بأكملها، فعندما يصل مستوى الأتمتة إلى الحد الذي وصلت إليه الصين، فإنه يُغير الميزة التنافسية ويُعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية تدريجيًا، فالمناطق التي لا تزال تُطوّر قدراتها التصنيعية ستواجه تحديًا يكمُن في إمكانها تبنّي الروبوتات بالسرعة الكافية، لكي تُحافظ على قدرتها التنافسية، أو ما إذا كانت ستجد نفسها مُعتمدة على التقنيات الصينية، لدعم طموحاتها الصناعية.
(-) استفادة الدول الصديقة: إن الدول التي تربطها علاقات إستراتيجية مع الصين مثل مصر وغيرها من الدول الإفريقية، ستستفيد اقتصاديًا من هذا التطور التكنولوجي الكبير، فالصين تعمل على توطين منهجية الاستثمار المباشر داخل الدول، بمعني أن التصنيع والإنتاج يكون داخل حدود الدولة، وبالتالي فالتكنولوجيا التي تعتمد عليها داخل الصين، ستنتقل إلى الدولة التي تستثمر فيها، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على هذه الدولة، فالتكنولوجيا أصبحت متغيرًا رئيسيًا في دالة الإنتاج الحديثة.
في النهاية يُمكن القول إن الصين أصبحت قوة اقتصادية كبيرة، من خلال تسليط الضوء على الأتمتة والحلول التكنولوجية، التي تزيد من الإنتاج بشكل مُضاعف، فقطاع التصنيع المُستخدم للتكنولوجيا عالية التقنية يقود قاطرة النمو داخل الاقتصاد الصيني، فالروبوتات الصناعية التي سبقت بها الصين دول العالم أحدثت حالة من السيولة الإنتاجية في المصانع الصينية، وبالتالي زادت الصادرات بشكل أكبر، إذ بلغت 397.85 مليار دولار يوليو 2026، مقارنة بنحو 299.81 مليار دولار، فبراير 2026، ومن هنا فالروبوتات الصناعية سيتسع سوقها في الصين بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة.