على مدار أكثر من أربعة عقود، استطاع الفنان محمد التاجي أن يحجز لنفسه مكانة خاصة في ذاكرة الجمهور المصري، من خلال أدوار متنوعة جسّدها في السينما والتليفزيون والمسرح، متنقلًا بين الشخصيات الدرامية والكوميدية، حتى أصبح واحدًا من الفنانين أصحاب الحضور المميز على الشاشة.
"التاجي" الذي رحل عن عالمنا اليوم الأحد، ترك وراءه رصيدًا فنيًا حافلًا بالأعمال والشخصيات التي قدمها خلال مشواره الفني، فضلًا عن حكاية إنسانية خاصة ارتبطت بطفولته ونشأته داخل منزل جده الفنان الكبير عبد الوارث عسر، إذ إنه ينتمي إلى عائلة فنية عريقة وكان "عسر" أكثر من مجرد جد بالنسبة لمحمد التاجي، إذ ارتبط به ارتباطًا وثيقًا منذ طفولته، خصوصًا بعد انفصال والديه، لينتقل إلى منزل جده ويعيش معه قرابة أربع سنوات.
حول هذه العلاقة، تحدث التاجي في أحد لقاءاته عن تلك المرحلة، كاشفًا عن طبيعة العلاقة الخاصة التي جمعته بجده، قائلًا: "تربيت في بيت جدي أكتر ما تربيت في منزل أبي، إذ نشأت في بيت جدي الحاج عبد الوارث" لتشكّل هذه السنوات ذكريات من نوع خاص وتحفر بداخله حب الفن، فلم تكن تلك الفترة من طفولته عابرة، إذ تركت أثرًا عميقًا في شخصيته وذاكرته، بعدما عاش تفاصيل الحياة اليومية إلى جوار جده، وكان ينام معه في الغرفة نفسها.
ظل التاجي الذي ولد في 28 أبريل 1954، محتفظًا في ذاكرته بهذه السنوات التي أثرت وجدانه، فكانت هذه الذكريات لها حضور دائم في كل جلساته، التي من بينها موقف طريف يعود إلى سنوات طفولته، عندما كان يبلغ من العمر نحو 5 سنوات، حيث يقول إن جده طلب منه في أحد أيام الشتاء أن يحضر له شرابًا، وكان عبد الوارث عسر يرتدي زوجين من الجوارب بسبب برودة الطقس، وبعد أن نفذ طلب جده، أحضر له حذاءين، وقال له بعفوية الأطفال: "طالما ارتديت شرابين لا بد أن تلبس الحذاء!"، وبقيت تلك الواقعة واحدة من الذكريات الطريفة التي رواها محمد التاجي عن علاقته بجده، الذي كان له حضور كبير في سنوات تكوينه الأولى.
مفتاح النجاح
ورغم انتماء الفنان الراحل إلى عائلة فنية كبيرة، لم يكن اسم عبد الوارث عسر وحده هو المفتاح الذي منح محمد التاجي حضوره في الوسط الفني، بل استطاع بموهبته وأدائه أن يبني مشواره الخاص، وأن يقدم عشرات الشخصيات التي صنعت اسمه لدى الجمهور، إذ تنوعت اختياراته بين الأعمال لتؤكد حضوره وتبرز قدراته التمثيلية سواء في التراجيدي أو الكوميدي، فحقق النجاح والبصمة الفنية في مجموعة كبيرة من المسلسلات، من أبرزها "حدائق الشيطان"، و"البشاير"، و"ولاد تسعة"، و"أبو هيبة في جبل الحلال"، و"أبو ضحكة جنان"، و"فلانتينو"، و"ملوك الجدعنة"، و"الزنكلوني"، و"يونس ولد فضة"، و"لعبة نيوتن"، إلى جانب العديد من الأعمال التلفزيونية الأخرى.
كما امتدت تجربته إلى السينما، حيث شارك في عدد من الأفلام، من بينها "المطارد" و"عفريت النهار"، فضلًا عن حضوره على خشبة المسرح، ومن أبرز مشاركاته المسرحية "المتزوجون" التي تعد علامة فارقة في مشواره.
يأتي نجاح كل الأعمال التي شارك فيها ليؤكد أن حضوره لم يرتبط ببطولة عمل واحد أو شخصية بعينها، وإنما جاء تأثيره من قدرته على تقديم أدوار متعددة، وإضفاء خصوصية على الشخصيات التي جسدها، وهو ما جعله حاضرا في عدد كبير من الأعمال التي ارتبط بها الجمهور المصري على مدار سنوات.