دخل زعيما حزبي "بيّاحَد" نفتالي بينيت، و"يَشَر" جادي آيزنكوت، سباق الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بصورة مباشرة، بعدما انتقلا من انتظار اكتمال القوائم الانتخابية إلى رسم حدود معسكريهما السياسيين ومحاولة تحديد المسارات التي يمكن أن تقودهما إلى تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل.
وكشف تحرك الرجلين عن تنافس واضح على شرائح متقاربة من الناخبين، إذ سعى بينيت إلى تقديم نفسه بديلًا لليمين المعتدل عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من دون الاقتراب من اليسار، بينما حاول آيزنكوت تثبيت موقعه في الوسط واستمالة ناخبين يمينيين عبر التأكيد أنه قادر على تشكيل حكومة لا تعتمد على قوى يسارية، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية.
خطوط اليمين
طرح بينيت خلال فعالية في ريشون لتسيون مواقف أكثر تشددًا تجاه القضية الفلسطينية، إذ أكد دعمه البنّاء في منطقة E1 بين القدس ومعاليه أدوميم، وقال إن "أي شخص يعارض إقامة دولة فلسطينية يجب أن يؤيد الاستيطان في E1"، كما أعلن رفضه إقامة دولة فلسطينية "تحت أي صيغة".
وشدد "بينيت" كذلك على موقفه من تجنيد اليهود الحريديم، مقدمًا نفسه كخيار أكثر تشددًا من نتنياهو وآيزنكوت، إذ قال إن نتنياهو يتحدث عن إعفاء نسبته 50%، بينما يقترح آيزنكوت 30%، في حين يدعو هو إلى "صفر إعفاء"، محذرًا من أن أي إطار يترك 30% خارج الخدمة العسكرية سينتهي عمليًا إلى إعفاء أوسع.
وصعّد "بينيت" أيضًا خطابه الأمني، إذ قال إن "أي شخص يطلق بالونات إرهابية على إسرائيل يستحق الموت"، مضيفًا أنه عندما كان رئيسًا للوزراء أمر بشراء ذخائر لمساعدة إسرائيل على مواجهة أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، في إطار الاستعداد لهجوم محتمل على طهران.
واقترح "بينيت" في الوقت نفسه حملة مستمرة ضد النظام الإيراني تجمع بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والسيبرانية، في محاولة لترسيخ صورته كمرشح أمني لا يقل تشددًا عن منافسيه في اليمين.
ائتلاف آيزنكوت
سعى آيزنكوت من جهته إلى تقديم نفسه باعتباره المرشح الأكثر قدرة على تحويل تقدمه في استطلاعات الرأي إلى ائتلاف حكومي فعلي، بعدما أظهر استطلاع نهاية الأسبوع نشرته "معاريف" حصول حزبه "يَشَر" على 25 مقعدًا، مقابل 15 مقعدًا لحزب بينيت و20 مقعدًا لـ"الليكود".
وتقدم آيزنكوت أيضًا على نتنياهو في سؤال الملاءمة لمنصب رئيس الوزراء، بنسبة 48% مقابل 37%، بينما تفوق بينيت على نتنياهو بنسبة 45% مقابل 40%، ما أظهر أن المنافسة على قيادة المعسكرات لا تقتصر على حجم الأحزاب، وإنما تمتد أيضًا إلى صورة كل زعيم باعتباره مرشحًا لرئاسة الحكومة.
ووضع آيزنكوت هدفًا يتراوح بين 63 و65 مقعدًا لمعسكره، وهاجم نهج نتنياهو الذي وصفه بأنه يقوم على "الانتصار من خلال عدم الخسارة"، كما شدد موقفه من تجنيد الحريديم، مستهدفًا تجنيد ما لا يقل عن 10 آلاف منهم في كل دورة، معظمهم في الجيش وبعضهم في الخدمة الوطنية.
وتعهد آيزنكوت كذلك بأنه إذا لم يتمكن معسكره من الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا، فسيسعى إلى توسيع الائتلاف بدلًا من الذهاب مجددًا إلى انتخابات، وهو ما أبقى أمامه خيار تشكيل حكومة حتى في حال عدم تحقيق أغلبية منفردة.
عقدة التجنيد
أبرزت مواقف بينيت وآيزنكوت أن قضية تجنيد الحريديم باتت واحدة من أهم المعارك التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة، خصوصًا مع دخول حزب "شاس" على خط المواجهة.
وأعلن عضو الكنيست عن شاس يوآف بن تسور، أن حزبه سيطالب بتمرير قانون للتجنيد قبل تشكيل الحكومة المقبلة، قائلًا إن دخول الحزب إلى أي ائتلاف سيكون مشروطًا بحسم القضية "بشكل قاطع".
وأدخل الموقف بذلك نتنياهو في مواجهة ضغوط متعارضة حتى قبل بدء مفاوضات تشكيل الحكومة، إذ يتنافس بينيت وآيزنكوت على تقديم الصيغة الأكثر تشددًا تجاه الإعفاءات، بينما يطالب شاس بحسم الملف كشرط مسبق للمشاركة في الائتلاف، في حين أبدى "الليكود" استعدادًا لمناقشة المطلب حتى قبل أداء الحكومة اليمين.
وكشف آيزنكوت أيضًا عن خلاف قديم مع نتنياهو، قائلًا إن رئيس الوزراء طلب منه خلال توليه رئاسة أركان الجيش تعيين أوفر فينتر سكرتيرًا عسكريًا له، جزئيًا لأهمية وجود ضابط يضع القلنسوة الدينية إلى جانبه، لكن آيزنكوت رفض الطلب لأنه لم يكن مستعدًا لاتخاذ تعيين عسكري على أساس اعتبارات سياسية أو قطاعية.
خريطة غير مكتملة
حافظ زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيجدور ليبرمان على استقلاله السياسي، إذ لم يعلن دعمه لأي مرشح لرئاسة الحكومة، بينما حصل حزبه في استطلاع "معاريف" على تسعة مقاعد، وتقدم نتنياهو عليه في سؤال الملاءمة لرئاسة الوزراء بنسبة 40% مقابل 37%.
وحافظ يائير جولان من جهته على مساره المستقل في الجهة اليسارية من الخريطة السياسية، بينما ركّز حزب "الديمقراطيون" على استقطاب الناخبين الشباب وترسيخ معسكر يساري مستقل، في وقت ظل فيه احتمال تشكيل حكومة بديلة عن نتنياهو غير محسوم رغم تقدم قوى المعارضة الصهيونية في الاستطلاعات.
وأظهر توزيع المقاعد المتوقعة أن الأحزاب العربية قد تحصل مجتمعة على 13 مقعدًا، بواقع ثمانية مقاعد للقائمة المشتركة التي تضم حدش وتاعل وبلد، وخمسة مقاعد للقائمة العربية الموحدة، ما يُزيد تعقيد حسابات تشكيل الأغلبية.
وأوضحت هذه المعطيات أن تصدر آيزنكوت لأكبر حزب، إذا تحقق، لن يضمن له الوصول إلى 61 مقعدًا، كما أن بينيت يسعى إلى الحفاظ على موقعه كبديل مستقل، بينما يرفض ليبرمان أن يصبح تابعًا لأي مرشح آخر، ويحرص جولان على الإبقاء على استقلال معسكره.
وأصبح السباق على رئاسة الحكومة بذلك مفتوحًا قبل حسم القوائم النهائية، مع اقتراب الموعد الذي ستضطر فيه الأحزاب إلى إنهاء تحالفاتها، لكن معركة تشكيل الائتلاف ستظل مفتوحة حتى بعد الانتخابات، حيث ستتوقف النتيجة ليس فقط على عدد المقاعد، وإنما أيضًا على عدد القوائم التي ستتجاوز نسبة الحسم، وحجم الأصوات التي ستُهدر دونها، وأي زعيم سيتمكن من الوصول إلى صناديق الاقتراع مع مسار واقعي نحو أغلبية 61 مقعدًا.