تواجه شركات التكنولوجيا لحظة فارقة تشبه ما مرّت به شركات التبغ الكبرى، بعد موافقة شركة ميتا على تسوية قضية تتعلق باتهامات بأنها سعت إلى إبقاء الأطفال مدمنين لتطبيقاتها، إذ وافق مارك زوكربيرج على تغييرات واسعة في فيسبوك وإنستجرام، يمكن أن تُعيد تشكيل طريقة استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي.
ضوابط عمرية
وذكرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية أن قيمة التسوية بلغت 18 مليار دولار، وهي أقل من عُشر مبلغ 200 مليار دولار الذي قال المدعون العامون في الولايات إنهم يسعون للحصول عليه من الشركة، فيما أشار الفريق القانوني لميتا إلى أن الشركة قد تواجه غرامات تصل إلى 1.4 تريليون دولار إذا خسرت القضية.
وبموجب الاتفاق المعلن، الأربعاء، ستمنع ميتا الأطفال من استخدام تطبيقاتها ليلًا، وتحجب الإشعارات خلال ساعات الدراسة، وتحدد وقت استخدام الشاشة بساعتين يوميًا، كما ستفرض ضوابط عمرية أكثر صرامةً لمنع من هم دون 13 عامًا من استخدام تطبيقاتها.
وتشمل التغييرات إخفاء عدد الإعجابات، إلى جانب فرض قيود على فلاتر الصور التي تتضمن مكياج مبالغًا فيه، وهي إجراءات قالت الشركة إنها تأتي ضِمن التسوية التي أنهت معركة قانونية استمرت سنوات بين 42 ولاية أمريكية وميتا.
لحظة "شركات التبغ"
ووصفت "ذا تليجراف" المواجهة القانونية، التي استمرت خمس سنوات، بأنها لحظة "شركات التبغ الكبرى" بالنسبة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى سلسلة الدعاوى التي رفعتها الولايات الأمريكية ضد صناعة التبغ خلال تسعينيات القرن الماضي.
وأجبرت تلك الدعاوى شركات التبغ على التوقف عن رعاية الفرق الرياضية والإعلان في وسائل النقل العام، كما حظرت الإعلانات التي تستهدف الشباب، ومنعت شركات السجائر من وضع الرسوم الكاريكاتورية على علبها.
وأدت هذه التسوية التاريخية إلى انخفاض كبير بمعدلات تدخين المراهقين، فيما يأمل الناشطون أن تؤدي القيود الجديدة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تأثير مماثل في الاستخدام المعتاد لهذه المنصات.
وتنهي تسوية ميتا معركة استمرت خمس سنوات بين الشركة و42 ولاية أمريكية، وذلك بعد أن أمضت الشركة حتى الساعات السابقة للاتفاق في دحض المزاعم القائلة إنها أدمنت الأطفال عمدًا على تطبيقاتها.
بداية التدقيق
أثناء إدلائه بشهادته في قاعة محكمة بولاية كاليفورنيا الثلاثاء، دافع آدم موسيري، رئيس شركة إنستجرام، عن نهج ميتا في التعامل مع سلامة الأطفال، وقال إن الشركة حسّنت وسائل حماية الأطفال ومنحت الآباء مزيدًا من الخيارات لإدارة الحسابات.
بدأ التدقيق الحكومي في الشركة عام 2021، عندما تبيّن أن ميتا، التي كانت تُعرَف آنذاك باسم فيسبوك، تخطط لإطلاق نسخة من إنستجرام مخصصة لمن هم دون 13 عامًا.
وحثَّ روب بونتا، المدعي العام لولاية كاليفورنيا، مارك زوكربيرج، رئيس ميتا، على إلغاء المشروع، محذرًا من أنه قد يجذب المتحرشين بالأطفال ويؤدي إلى مشكلات في الصحة العقلية.
ومع ذلك، مضت ميتا في المشروع قبل أن يؤدي تسريب واسع إلى إفشاله، بعدما كشفت فرانسيس هوجن، وهي مهندسة سابقة في الشركة، عشرات الآلاف من وثائق البحث الداخلية التي عرضت بالتفصيل ما كانت الشركة تعرفه عن تأثير تطبيقاتها على المراهقين.
وثائق هوجن
زعمت هوجن أن الوثائق أظهرت أن فيسبوك كان على دراية كاملة بإمكانية تسبُّب منتجاته في مشكلات تتعلق بالصحة العقلية لدى الأطفال، لكنه تجاهل تلك المخاوف سعيًا وراء الأرباح.
وأدت هذه الاكتشافات في النهاية إلى فشل خطط إنشاء تطبيق "إنستجرام كيدز"، وبعد عامين، وبعد مفاوضات غير ناجحة مع ميتا، رفعت 42 ولاية دعوى قضائية ضد الشركة، متهمة إياها بانتهاك القوانين التي تحمي الأطفال على الإنترنت.
كانت ميتا في البداية واثقة ومتحدية، مستفيدة من قوانين الإنترنت الأمريكية التي منحت شركات التواصل الاجتماعي حماية واسعة بشأن ما يحدث على مواقعها لعقود.
محاكمة تاريخية
تغيّرت المعادلة خلال الأشهر الأخيرة، مع تطور الشبكات الاجتماعية وتحولها إلى منصات تعتمد على خوارزميات التوصية وميزات التمرير اللانهائي ومقاييس الشعبية، وهو ما جعل وصفها بأنها مجرد لوحات فارغة أكثر صعوبة.
وفي محاكمة تاريخية رفعتها شابة قالت إنها أدمنت تطبيق إنستجرام خلال طفولتها، خلُصت هيئة محلفين في مارس إلى مسؤولية ميتا عن دفع تعويضات بقيمة 6 ملايين دولار.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، انتهت دعوى قضائية منفصلة رفعتها ولاية نيو مكسيكو إلى تغريم ميتا 942 مليون دولار، بسبب تقصيرها في تحذير الناس من المخاطر المحتملة التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال.
ورغم عدم خضوع ميتا لرقابة مشددة في سوقها المحلي، تشدد دول من بريطانيا إلى أستراليا الرقابة على استخدام الأطفال تطبيقات مثل إنستجرام، فيما وعد حزب العمال باتباع الحظر الأسترالي المفروض على استخدام من هم دون 16 عامًا لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب قوانين السلامة الإلكترونية الصارمة المطبقة بالفعل.
قيود مشتركة
كان من المقرر أن يدلي مارك زوكربيرج بشهادته خلال الأيام التالية، لكن التسوية حالت دون ذلك، إذ رحبت ميتا بالاتفاق باعتباره يوفر "إطارًا" للصناعة بأكملها، فيما لن يُدفع جزء كبير من غرامة الـ18 مليار دولار إلا إذا وافقت يوتيوب وتيك توك على القيود نفسها المفروضة على وقت استخدام الأطفال للشاشات.
وتواجه تيك توك دعوى قضائية مماثلة من ولايات أمريكية، بينما يُرجح أن تتعرض يوتيوب لضغوط لتطبيق الضوابط نفسها، وهو ما يمنح التسوية نطاقًا يتجاوز ميتا وحدها.
وحاول سي جيه ماهوني، كبير المسؤولين القانونيين في ميتا، تقديم الاتفاق بصورة إيجابية، قائلًا إن على الشركات الأخرى أن "تحذو حذو ميتا"، وإذا فعلت ذلك، فقد تبدأ وسائل التواصل الاجتماعي في الظهور بصورة أقرب إلى التبغ، كجزء عادي من الحياة لكنه يخضع لتنظيم وتقييد شديدين، مع إدراك واسع لأضراره.