كشف تحقيق لوكالة «رويترز» عن إحدى أكبر شبكات المقامرة غير القانونية في العالم، التي تقوم بإرسال ملايين الدولارات من العملات المشفرة في إطار عملية للتهرب من العقوبات الإيرانية، بقيمة 4 مليارات دولار منذ مايو 2024.
ووفق التحقيق، فإن الشركة التي تحمل اسم «شيلبيت» (Shelbit)، وهي بورصة عملات مشفرة غير مرخصة يديرها مغترب إيراني، من بين عملائها الرئيسيين شبكة قمار باللغة الفارسية تضم أكثر من 2000 موقع إلكتروني، يديرها اثنان من المؤثرين الإيرانيين البارزين ذوي العلاقات الحكومية رفيعة المستوى، أحدهما يعمل من فيلا باهظة الثمن في مدريد، والآخر، حتى وقت قريب، من فندق فاخر في هونج كونج.
وتشير «رويترز» إلى أن الرجلين، والإيراني الذي يدير الشركة، أُدينوا شركاء في الجريمة في قضية قمار غير قانونية في إيران عام 2023، حيث يُحظر القمار في البلاد، ويُعاقب عليه بالجلد والسجن.
ومع ذلك، فإن شبكة القمار التي كشفت عنها «رويترز» لديها إمكانية الوصول إلى نظام الدفع الإلكتروني الإيراني، الذي يخضع لإشراف دقيق من البنك المركزي للبلاد.
وبحسب البيانات، فقد تدفقت ما لا يقل عن 676 مليون دولار من العملات المشفرة من عناوين «شيلبيت» إلى منصة «بينانس» منذ مايو 2024. وقد تم تحويل نحو 540 مليون دولار من هذا المبلغ بعد أن فرضت هيئة تنظيم سوق رأس المال في دبي(VARA) غرامة على «شيلبيت» العام الماضي، لتقديمها خدمات تداول غير مرخصة والإعلان عنها.
وفرضت الولايات المتحدة غرامة قدرها 4.3 مليار دولار على منصة «بينانس» في عام 2023، لانتهاكها قواعد مكافحة غسل الأموال، بما في ذلك معالجة عمليات تداول العملات المشفرة الإيرانية.
أموال القمار
حسب التحقيق، تعتبر شركة "شيلبيت" مركز عمليات تحويل الأموال الإيرانية، التي من خلالها تتمكن شبكة المقامرة والبنك المركزي والكيانات الإيرانية الأخرى الخاضعة للعقوبات من الوصول إلى أسواق العملات المشفرة العالمية.
كما قامت "شيلبيت" بتحويل مئات الملايين من العملات إلى بعض أبرز اللاعبين في مجال العملات المشفرة، بما في ذلك أكبر بورصة في العالم، وهي "بينانس" فيما تتفاعل بشكل مباشر مع البنك المركزي الإيراني، ومع محافظ إلكترونية ربطتها الحكومة الإسرائيلية بالحرس الثوري (IRGC)، ومع منصة "نوبيتكس"، وهي بورصة إيرانية مرتبطة بالحكومة فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات في وقت سابق من هذا العام.
واستمرت تدفقات العملات الرقمية إلى منصة "شيلبيت" خلال الفترة التي سبقت الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير. واستمر تدفق العملات الرقمية حتى بعد أن قصفت طهران القواعد الأمريكية والمنشآت في دول الخليج، ما يكشف عن "براعة إيران في الصمود أمام سنوات من العقوبات التجارية والمصرفية القاسية".
وقد لعب الحرس الثوري الإيراني دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار الاقتصاد خلال حربه المتقطعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ليخرج منها أكثر قوة من أي وقت مضى.كما كشفت "رويترز" أن الحرس الثوري سيطر قبل سنوات على أكبر مواقع المقامرة المتاحة داخل إيران، واستخدمها منذ ذلك الحين لتحويل الأموال إلى الخارج.
وأشار التحقيق إلى أن " شيلبيت" واحدة من أكبر شبكات التهرب من العقوبات الإيرانية التي تم اكتشافها منذ عام 2016، عندما فككت الولايات المتحدة عملية تابعة للحرس الثوري لتبادل الذهب بالنفط بقيمة تقارب 20 مليار دولار ، التي كانت تتخذ من تركيا مقرًا لها
ونقل التحقيق عن محللي العملات الرقمية إن "شيلبيت" قامت بمعالجة ما لا يقل عن 125 مليون دولار من البنك المركزي الإيراني، معظمها بشكل مباشر. كما تلقت ما لا يقل عن 20 مليون دولار من عملية تعدين العملات الرقمية الإيرانية المشتبه بها عبر محافظ وسيطة، مما يحجب مصدر العملة، وذلك وفقًا لبيانات "بلوك تشين".
وتتضمن عملية التعدين استخدام أجهزة الكمبيوتر لحل مسائل رياضية معقدة لإنشاء عملات رقمية جديدة، أي سكّ عملة جديدة. وقد شرّعت إيران هذه العملية في عام 2019، واشترطت على المعدنين الحصول على تراخيص حكومية.
الاستحواذ
تنص المادة 705 من قانون العقوبات الإيراني على أن القمار يُعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى ستة أشهر و74 جلدة. وفي عام 2023، عُدّل القانون ليشمل المراهنات عبر الإنترنت.
مع هذا، يُعدّ تبني الحرس الثوري الإيراني للمقامرة عبر الإنترنت امتدادًا لسيطرته المتزايدة على اقتصاد البلاد، سواءً كان قانونيًا أم غير قانوني، وقد أثار تقرير صادر عن معهد واشنطن عام 2021، من بين تقارير أخرى، شكوكًا حول تورط الدولة الإيرانية في أعمال المقامرة.
وتنقل "رويترز" عن رضا غيبي، وهو مسؤول حكومي إيراني سابق غادر إيران في عام 2022 ويعيش الآن في بريطانيا، إنه عندما انتشرت المقامرة عبر الإنترنت في إيران قبل نحو عقد من الزمان، رأى الحرس الثوري فرصة وسيطر عليها، مشيرًا إلى أن المقامرة عبر الإنترنت تتطلب أيضًا تعاون البنك المركزي الإيراني، الذي يتحكم في البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية المحلية، بما في ذلك البطاقات المصرفية وتحويل الأموال.
ولفت إلى أنه عندما تشنُّ الحكومة حملة قمع على شبكة قمار "فإن الأمر يتعلق بالقضاء على المنافسين بدلًا من حماية الجمهور". وقال: "ليس الأمر لأنهم يهتمون برفاهية الناس أو لأن المقامرة ممنوعة. الأمر يتعلق بإقصاء المنافسين".
كما أوضح "غيبي" أن الحرس الثوري "بنى شبكات ومنظمات تغيرت وجوهها بمرور الوقت. وأيًا كان من يبرز منهم، فإن استخبارات الحرس الثوري كانت تدعمه وتستخدمه لدفع العملية قدمًا".