كشف تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" أن أربعة مسؤولين تنفيذيين في آخر بنك روسي كبير لا يزال يعمل في أوروبا استغلوا الفوضى السوقية التي أطلقتها عقوبات الاتحاد الأوروبي في عام 2022 لتحقيق ملايين الدولارات في حساباتهم الشخصية.
وأشار تقرير الصحيفة البريطانية إلى أنه "في ظلّ معاناة موسكو من العقوبات الغربية المفروضة عليها لدعم أوكرانيا، علق العديد من سندات شركة "جازبروم" الحكومية العملاقة للطاقة بالعملات الأجنبية في أوروبا، ما أدى إلى انهيار أسعارها". كان الرئيس فلاديمير بوتين أصدر مرسومًا يسمح باستبدال هذه السندات بسندات جديدة بالقيمة الكاملة في روسيا، وذلك لدعم المستثمرين والمقترضين في البلاد.
هكذا رصد كبار المصرفيين في فرع بنك "جازبروم" في لوكسمبورج كفرصة سانحة. فقد حصلوا على ملايين اليورو كقروض شخصية من جهة عملهم، و"انطلقوا في موجة إنفاق محمومة"، حيث اشتروا السندات بأسعار مخفضة واستبدلوها بسندات مماثلة بقيمتها الكاملة بالروبل. ووفقًا لوثائق، قاموا بأكثر من 50 صفقة كان من الممكن أن تحقق أرباحًا صافية تتجاوز 9 ملايين يورو (10.5 مليون دولار)".
ويُعد بنك "جازبروم" لوكسمبورج القناة الرئيسية لمدفوعات الدول الأوروبية إلى الشركة الروسية التي أسست البنك ولكنها شركة منفصلة.
وبحسب بيانات شركة "جازبروم"، شملت عمليات تبادل السندات كيانًا روسيًا رئيسيًا خاضعًا لعقوبات الاتحاد الأوروبي، وهو مركز الإيداع الوطني للتسوية. ونقل التقرير عن مسؤول في الاتحاد الأوروبي: "يبدو الأمر وكأنه تحايل على العقوبات. يجب أن يخضع هذا الأمر لتحقيق جنائي في لوكسمبورج".
كان المديرون الأربعة ينسقون بانتظام، فيشترون الكمية نفسها من السندات نفسها في اليوم نفسه، وغالبًا قبل الإعلان عن أهليتها للاستبدال على موقع "جازبروم" الإلكتروني، الذي لم يكن معروفًا على نطاق واسع، أي أن السندات ستكون متاحة للمبادلة ومتى، إذ لم تُعلن "جازبروم" عن ذلك إلا قبل فترة وجيزة، ولم تتجاوز مدة المبادلة أسبوعين.
برنامج المقايضة
نجت شركة "جازبروم"، التي كانت تزود مساحات شاسعة من أوروبا بالغاز، من العقوبات الشاملة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا في فبراير 2022. لكن سعر سنداتها بالعملات الأجنبية انخفض مع ذلك، حيث تم تداول بعضها بنصف قيمتها الأولية، حيث جعلت العقوبات الغربية المفروضة على العقد الرئيسية للنظام المالي الروسي من الصعب على الشركة إرسال مدفوعات الفائدة إلى الدائنين.
وتُظهر المراسلات الداخلية في بنك "جازبروم" بلوكسمبورج مشكلات سريعة في تسوية صفقات الأوراق المالية الروسية. وكان حل الكرملين هو السماح للمستثمرين باستبدال سنداتهم الأوروبية بسندات جديدة في روسيا، قابلة للتداول بالروبل بقيمتها الأصلية.
أطلق بوتين برنامج المقايضة بموجب مرسوم وقعه في 5 يوليو، وبعد تسعة أيام، بدأ أحدهم بشراء سندات "جازبروم"، وبدأ بدفع نحو 65 ألف يورو مقابل سند يستحق في عام 2024، أي أقل من نصف سعره الاسمي البالغ 150 ألف يورو. ثم تم استبدال السند في ديسمبر، ما قد يدرّ على الرجل ربحًا يصل إلى نحو 85 ألف يورو إذا باعه بالسعر الكامل في السوق الروسية.
وفي سبتمبر، بدأ الأعضاء الثلاثة الآخرون في مجلس إدارة الفرع في لوكسمبورج أيضًا في شراء السندات المخفضة. وبدا أن المديرين الأربعة كانوا يبحثون في السوق عن السندات المناسبة، والتي كان من الصعب العثور عليها. ورغم أنهم لم يشاركوا في جميع جولات الاستبدال في عام 2022، إلا أنهم اشتروا أربعة سندات محددة تم استبدالها جميعًا بحلول نهاية العام.
معرفة مسبقة
حسب التقرير، غالبًا ما كانت عمليات الشراء تتم قبل وقت قصير من إعلان شركة "جازبروم" على موقعها الإلكتروني عن استبدال السند المعني.
ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر إنه كان من "المستحيل" إتمام هذه المعاملات في وقت قصير دون معرفة مسبقة بالسندات التي سيتم استبدالها. وأضاف: "يجب البحث عن هذه السندات، ويجب معرفة أي بنك أو وسيط يمتلكها".
وبينما لم يتضح بعد حجم الأموال التي اقترضها الأربعة من بنك "جازبروم" بموسكو لتمويل هذه المعاملات. لكن بين شهري يوليو ونوفمبر، تلقى المصرفيون الأربعة تحويلات مالية تزيد قيمتها عن 17 مليون يورو مُحوّلة من الروبل، استخدموها في عشرات عمليات الشراء، وفقًا للوثائق. وقد بلغ إجمالي أرباحهم المحتملة أكثر من 9 ملايين يورو.
ورغم الأرباح في البداية، سرعان ما أصبحت هذه الصفقات مثيرة للجدل داخل البنك، وأثار بعض الموظفين مخاوف بشأن احتمال وجود تداول داخلي. ثم أُوقفت المعاملات داخل البنك بعد تحقيق أُجري في نهاية عام 2022، وفقًا لشخصين مطلعين على هذه الصفقات.
أيضًا، بعد تلقي معلومات استخباراتية، قامت هيئة الرقابة المالية في لوكسمبورج (CSSF) بتفتيش البنك في مارس 2023. لكنها لم تستجوب بعض الأشخاص الذين لديهم معلومات حول المعاملات، وفقًا لشخصين مطلعين على الصفقات.
وقال شخص آخر: "كانت هيئة الرقابة المالية عمياء".
وخلصت هيئة الرقابة على القطاع المالي إلى أن البنك انتهك قواعده الداخلية التي لا تسمح للموظفين بفتح حسابات شخصية، كما وجدت أن المديرين الأربعة لم يخضعوا للتدقيق الأمني رغم تصنيفهم ضمن فئة "عالية المخاطر".