استغلت الصين تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا؛ لتقديم نفسها باعتبارها المدافع عن التجارة الحرة واستقرار الأسواق، في وقت يفرض فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية على السلع القادمة من دول مختلفة، بينما تكثف بكين تحركاتها التجارية والدبلوماسية للاستفادة من الخلاف بين واشنطن وأوتاوا، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
فرصة صينية
استفادت بكين من التوتر المتزايد بين واشنطن وأوتاوا لتعزيز صورتها كشريك تجاري أكثر استقرارًا، خصوصًا أن سياسة ترامب القائمة على فرض رسوم جمركية متقلبة أثارت قلق حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التجاريين.
وقال علي وين، الباحث البارز في شؤون الولايات المتحدة والصين لدى مجموعة الأزمات الدولية، إن الصين تسعى إلى الظهور باعتبارها قوة موازنة مستقرة في مواجهة قوة عظمى "متقلبة" تستهدف حلفاءها وشركاءها بتعريفات جمركية متغيرة.
وأضافت زونجيوان زوي ليو، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الحكومة الصينية مستعدة دائمًا لاستغلال أي وضع من شأنه إضعاف موقف إدارة ترامب، خصوصًا عبر توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الدول التي تتضرر من سياسات واشنطن.
تقارب أوتاوا
مهّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لهذا التقارب مع الصين في يناير، عندما أبرم اتفاقًا مع الرئيس الصيني شي جين بينج بشأن المنتجات الزراعية والسيارات، في إطار مساعي حكومته لتقليل اعتماد كندا على السوق الأمريكية.
وعَكَسَ الاتفاق تحوّلًا مهمًا في العلاقات بين أوتاوا وبكين، إذ كانت العلاقات قد شهدت توترًا شديدًا بعد اعتقال كندا في 2018 مسؤولة تنفيذية بارزة في شركة تكنولوجية صينية بطلب أمريكي، أعقبه احتجاز الصين مواطنين كنديين.
وقضى الاتفاق الكندي الصيني بالسماح بدخول ما يصل إلى 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى السوق الكندية بتعريفة تفضيلية، مقابل تحسين وصول منتجات كندية، بينها بذور الكانولا ووجبة الكانولا والكركند وسرطان البحر والبازلاء، إلى السوق الصينية.
وبدت الخطوة أكثر أهمية مع تصاعد المواجهة التجارية بين واشنطن وأوتاوا، إذ أصبحت كندا تملك بديلًا جزئيًا عن السوق الأمريكية، بينما حصلت الصين على منفذ إضافي لصادرات السيارات الكهربائية إلى سوق متقدمة.
تحركات أوسع
وسّعت الصين في الوقت نفسه سياستها التجارية خارج أمريكا الشمالية، إذ وقعت اتفاق تجارة حرة مع سويسرا الأسبوع الماضي، كما ألغت في مايو الرسوم الجمركية على منتجات جميع الدول الإفريقية تقريبًا، باستثناء دولة واحدة.
وأظهرت هذه التحركات رغبة بكين في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع شركاء مختلفين في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة نحو مزيد من الحمائية، بما يسمح للصين باستثمار التوترات التجارية لصالحها وتعزيز موقعها في النظام الاقتصادي العالمي.
وطوّرت بكين كذلك مشاريع تنموية خارجية وأنظمة دفع دولية بديلة، في محاولة لتعزيز حضورها في النظام المالي العالمي، غير أن هذا المسار يواجه حدودًا واضحة؛ بسبب اعتماد الصين نفسها على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
حدود المنافسة
واجهت الصين معضلة في محاولتها منافسة النفوذ الاقتصادي الأمريكي، إذ إنها دولة مصدرة صافية تحتاج إلى الأسواق الخارجية لبيع إنتاجها، ما يجعلها بحاجة إلى اقتصاد عالمي مفتوح واستقرار في الأسواق الكبرى.
وأضافت الصحيفة أن الدولار لا يزال العملة المهيمنة على النظام المالي العالمي، وهو ما يمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة، بينها القدرة على الاقتراض بتكاليف أقل وفرض عقوبات مالية فعالة، لكن الحفاظ على هذا النظام يتطلب أيضا بنية مدفوعات واسعة وعمليات إنقاذ مالية وقدرة عسكرية ضخمة.
ورأت ليو أن بكين لا تريد بالضرورة إسقاط النظام المالي القائم على الدولار، كما أنها قد لا تكون قادرة على بناء بديل يتمتع بالكفاءة نفسها، معتبرة أن الصين تستطيع الاستفادة من النظام الحالي دون تحمُّل كامل لتكاليف قيادته.
مكاسب بكين
أظهرت تطورات الحرب التجارية أن الصين تحقق بالفعل بعض المكاسب من الخلاف الأمريكي الكندي، حتى دون الحاجة إلى القيام بخطوات مباشرة ضد واشنطن، إذ باتت دول متضررة من سياسة ترامب تبحث عن أسواق واتفاقات بديلة، بينما تقدم بكين نفسها كشريك يمكن الاعتماد عليه في التجارة والاستثمار.
وقالت ليو إن الولايات المتحدة "تتخلى حرفيًا عن القيادة بمفردها"، معتبرة أن الصين لا تحتاج حتى إلى بذل جهود كبيرة لتحل محل واشنطن جزئيًا؛ لأن سياسات الإدارة الأمريكية نفسها تدفع حلفاء وشركاء تقليديين إلى تنويع علاقاتهم التجارية.
وبذلك تحولت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا إلى فرصة أوسع للصين لإعادة تقديم نفسها كلاعب مؤيد للتجارة الحرة، مستفيدة من تراجع الثقة في السياسة التجارية الأمريكية، رغم أن بكين لا تزال تواجه قيودًا اقتصادية وسياسية تجعل من الصعب عليها أن تحل بالكامل محل واشنطن في النظام الاقتصادي العالمي.