بصوت عبد الحليم حافظ نفسه بدأت الحكاية من جديد، بعد أن اختار صنّاع مسرحية "حليم.. آخر زمن الرومانسية" هذا العنوان ليفتتح الفيلم التسجيلي الذي عُرض خلال المؤتمر الصحفي الذي أقيم اليوم الاثنين، في مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة للإعلان عن المسرحية.
وبعد نحو نصف قرن من رحيله، يبدو أن السؤال لم يعد: هل يمكن تقديم عبد الحليم مرة أخرى؟.. بل أصبح: أي عبد حليم سنراه هذه المرة؟
المحاولة الجديدة التي تحمل اسم "حليم.. آخر زمن الرومانسية" تأليف مدحت العدل وإخراج أحمد فؤاد، ومقرر تقديمها في مارس 2027 بالتزامن مع مرور 50 عامًا على رحيل عبد الحليم حافظ، وحول هذا العرض يؤكد "العدل" أن اختصار حياة بحجم حياة العندليب داخل عرض مدته نحو ساعتين يمثل تحديًا كبيرًا، لذلك اختار أن يعود بالجمهور إلى "زمن الرومانسية والمنديل الحرير والخطابات المكتوبة".
يشير مؤلف العرض إلى أن بطل العمل لن يتم اختياره على أساس التشابه في الملامح، وإنما وفقًا لقدرته على حمل روح وشخصية العندليب، معترفًا بأن تجربته السابقة في مسلسل "العندليب" تعرضت لانتقادات بسبب الاهتمام بالشكل أكثر من المضمون، كما استشهد بدقة حليم الشديدة في عمله، قائلًا إنه كان يصل أحيانا إلى نحو 30 بروفة للأغنية الواحدة.
أعمال للعندليب لا تنتهي
عاش الجمهور مع العندليب الأسمر أكثر من حياة بعد رحيله، مرة بملامح شاب، ومرة بوجه أحمد زكي وهو يصارع المرض في آخر أفلامه، ومرة من خلال مسابقة تلفزيونية بحثت بين آلاف الشباب عن شبيهه، ثم صعدت حكايته إلى المسرح، وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة، لأن مدحت العدل لا يقدم عبد الحليم للمرة الأولى، ففي عام 1979، أي بعد نحو عامين فقط من وفاة عبد الحليم حافظ قدّم التلفزيون مسلسل "العندليب الأسمر" تأليف نبيل عصمت وإخراج فتحي عبد الستار، وجسّد شخصية حليم المطرب والممثل عماد عبد الحليم، بينما قدمت فردوس عبد الحميد شخصية شقيقته علية، والمفارقة كانت في أن اختيار عماد لم يكن مجرد اختيار ممثل يشبه حليم، بل كان عبد الحليم حافظ قد استمع إليه وهو صغير وقرر دعمه وتبنيه فنيًا، حتى منحه اسمه الفني عماد عبد الحليم، لتخرج أول نسخة درامية من حليم من أحد تلاميذه.
وبعد سنوات طويلة، جاءت 2006 كأكثر السنوات ازدحامًا بعبد الحليم على الشاشة، ففي السينما كان الفنان الراحل أحمد زكي، وفي التلفزيون ظهر شادي شامل، وفي مسلسل "السندريلا" ظهر حليم مرة أخرى كشخصية ضمن سيرة سعاد حسني، وجسّدها مدحت صالح، لكن التجربتين الأكبر كانتا فيلم "حليم"، الذي تناول محطات من حياة العندليب الفنية والإنسانية والعاطفية، لكن "زكي" كان يخوض في الوقت نفسه معركته الأخيرة ورحل في مارس 2005 قبل أن يشاهد الفيلم مكتملًا.
وفي مسلسل "العندليب.. حكاية شعب"، كان المؤلف مدحت العدل يخوض تجربة مختلفة تمامًا، حيث لم يتم اختيار البطل بالطريقة المعتادة، بل أطلقت مسابقة تلفزيونية بعنوان "العندليب.. مَن يكون؟" للبحث عن وجه جديد يستطيع تقديم الشخصية، واستمرت المنافسة 8 أسابيع، ووصل إلى مراحلها المختلفة شباب من عدة دول عربية، قبل أن يفوز شادي شامل بالدور. وكان تصويت الجمهور يمثّل نصف النتيجة، واليوم يعود مؤلف المسلسل نفسه ليؤكد أن الرهان هذه المرة سيكون على "روح حليم" لا على شكله.
حكايات الجيل
لم يظهر عبد الحليم فقط في الأعمال التي حملت اسمه بل كان جزءًا من حياة جيله الفني، لذلك ظهر كشخصية داخل أعمال سيرة ذاتية لفنانين آخرين، إذ جسّده مدحت صالح في مسلسل "السندريلا" عن سعاد حسني، ثم قدّم محمود العزازي الشخصية في فيلم "سمير وشهير وبهير" عام 2010 بصورة مختلفة داخل أحداث كوميدية تعتمد على السفر إلى الماضي، وعاد العزازي ليجسد حليم في مسلسل "الشحرورة" عام 2011 ضمن سيرة صباح، وعلى الرغم من أنه لم يكن بطل الحكاية، فإنه ظل حاضرًا كلما أعادت الدراما فتح ملفات جيله.
من الشاشة إلى مسرح العندليب
وفي 2021 انتقلت السيرة إلى مساحة مختلفة مع مسرحية "حبيبتي من تكون؟"، إخراج خيري بشارة وتأليف عزة شلبي وأحمد نبيل، وجسّد محمود الغندور خلالها شخصية عبد الحليم حافظ، وقدم ضمن موسم الرياض إذ أقيم داخل مكان حمل اسم مسرح العندليب وضمت التجربة قاعة لمقتنيات شخصية نادرة لعبد الحليم وصورًا وملابس وأشياء مرتبطة بحياته، إلى جانب العرض الغنائي والدرامي.
التجديد والرومانسية
يوضح "العدل" أن تكلفة المسرحية من المتوقع أن تتجاوز تكلفة أم كلثوم، في ظل حجم التجهيزات والعناصر الفنية المطلوبة لتقديم التجربة بالشكل الذي يليق بتاريخ العندليب، مشيرًا إلى أنه انتهى من كتابة النص قبل نحو شهرين على أن يبدأ عرضها في مارس 2027 بالتزامن مع مرور 50 عامًا على رحيله، مؤكدًا أن تقديم حياة العندليب في عرض مسرحي لا يتجاوز ساعتين يمثل تحديًا كبيرًا أمام فريق العمل.
وأضاف أن تجربة حليم زمن الرومانسية تعد أصعب من مسرحية أم كلثوم، سواء على المستوي الفني أو الإنتاجي، موضحًا أن الجمهور يعرف عبد الحليم حافظ وتفاصيل حياته وأغنياته بشكل كبير وهو ما يضاعف مسؤولية صنّاع العمل.
وكشف مدحت العدل أن المسرحية ستتوقف أمام الجانب الإنساني في حياة عبد الحليم حافظ، خاصة علاقته بالمرض الذي لازمه لسنوات طويلة، مؤكدًا أن طموحه الفني كان دائمًا أكبر من قدرات جسده ومعاناته الصحية، مشيرًا إلى أنه كان دائم البحث عن التجديد، ولم يكتف بما حققه من نجاح بل كان يحاول تطوير شكل الأغنية وطريقة تقديمها باستمرار، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا في تاريخ الموسيقى العربية.
كما تتناول المسرحية الجانب العاطفي في حياة العندليب وقصص الحب التي مر بها إلى جانب استعادة أجواء الفترة التي عاش فيها ووصفها بأنها زمن الرومانسية، مشيرًا إلى أن عبد الحليم كان يمتلك علاقة خاصه مع جمهوره وكان يقرأ رسائل محبيه ويرد عليها بنفسه، كما كان حريصًا على الاقتراب من الناس والمشاركة في مناسباتهم، وهو ما ساهم في استمرار علاقته بالجمهور حتى بعد مرور عقود على رحيله.