الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فرنسا في قلب جحيم المناخ.. صيف الكارثة يهدد المزارعين والمحاصيل

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

يمر القطاع الزراعي الفرنسي بأسوأ أزماته منذ عقود، إذ كشفت صحيفة "لوموند" أن موجات الحر المتلاحقة منذ مايو الماضي والجفاف الذي وصفته المصادر الزراعية بـ"التاريخي"، أحدثا خسائر فادحة طالت جميع قطاعات الإنتاج في آنٍ واحد، من الخضراوات إلى الحبوب حتى الثروة الحيوانية، دون أن تنجو منطقة واحدة أو تُعوض عن أخرى كما درجت العادة في المواسم السابقة.

وفيما تتراكم الأرقام الحمراء في سجلات المزارعين، وعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بـ"استجابة سريعة وقوية"، إلا أن كثيرين يتساءلون إن كانت هذه الوعود كافية لإنقاذ موسم ضاع ومنع انهيار موسم لم يبدأ بعد.

خسائر بالأرقام المزدوجة

نقلت "لوموند" عن سيدريك جالو، المدير العام لتجمع منتجي خضراوات مقاطعة المانش، ما وصفه بـ"الإحباط الكامل" الذي يسود بين المزارعين، موضحًا أن شدة الحر بلغت حدًا جعل الري حتى في منتصف الليل عديم الجدوى.

واتخذ جالو الجزر مثالًا، باعتباره من أبرز محاصيل المنطقة بإنتاج يناهز 25 ألف طن سنويًا، إذ تراجع إنتاجه بنسبة 30%، بعدما لم تتحمل بادراته الصغيرة درجات الحرارة التي تجاوزت الثلاثين مئوية مصحوبةً برياح جافة حارقة، كذلك الخس والكراث التي لم تستعد شتلاتهما نموها بعد الزراعة، مشيرًا إلى أن سرعة تزهير النباتات (التزهير المبكر) الذي يجعلها مُرة وغير صالحة للبيع، وحتى البطاطس باتت عسيرة الاستخراج من التربة الجافة المتكتلة.

وبناء على ذلك يتوقع جالو، حين يكتمل الحصاد، خسائر بأرقام مزدوجة في جميع أصناف الخضراوات.

في الغرب، لا تختلف الصورة كثيرًا، إذ أعلنت مجموعة برنس دو بروتاني، التي تضم أكثر من 1300 مزارع في ثلاث تعاونيات كبرى، عن "أزمة خضراوات كبرى وتاريخية"، إذ خسرت الكوسة 25% من إنتاجها، والبازلاء 40%، والبروكلي 60%، فيما تراوحت خسائر الخرشوف بين 50% و100% حسب المناطق.

ولفهم استثنائية هذه الأزمة، أوضح إيريك ليجرا، رئيس اتحاد الخضراوات المعلبة والمجمدة "يونيليه" الذي يمثل ثلث مساحات الخضراوات المزروعة في فرنسا، أن ما يجعل هذا العام استثنائيًا هو أن مناطق الإنتاج الثلاث الكبرى (هوت-دو-فرانس وبريتانيا وجنوب غرب فرنسا) تُعاني في الوقت ذاته ومن الشدة ذاتها، دون أن تستطيع إحداها تعويض الأخرى كما جرت العادة في المواسم السابقة.

وأضاف ليجرا، أن المزارعين وعمالهم "منهكون ومحبطون"، وأن بعضهم اضطر إلى تخصيص عمال موسميين للري وحده.

مراعي تحترق وأعلاف تنضب

على الجبهة الأخرى، يعيش مربو الماشية أزمة من نوع مختلف، لا تقل خطورة بل ربما تمتد تداعياتها لأشهر مقبلة، إذ رصدت لوموند نقلًا عن مصلحة الإحصاء الزراعي الفرنسية أن نمو المراعي الدائمة حتى نهاية يوليو الماضي جاء أدنى بـ30% من متوسط الثلاثين عامًا الماضية، وأن عجز العلف بات يمتد ليطال مناطق متزايدة العدد في مختلف أرجاء البلاد.

وللمرة الأولى في ذاكرة رعاة متمرسين، نزلت قطعان من المرتفعات الجبلية مبكرةً بأسابيع، إذ روت ميشيل بودوان، صاحبة قطيع من 550 نعجة في وسط فرنسا ورئيسة الاتحاد الوطني للأغنام، أنها في أربعين عامًا من العمل لم تشهد نزولًا مبكرًا كهذا من المراعي الجبلية الصيفية.

وفي سارث، أفاد المزارع جوفري لوريو بأن قطيعه من سبعين ماعزًا بات محبوسًا داخل الحظيرة نهارًا، يُطعَم من بقايا القش الذي خُصص للشتاء، محذرًا من أن الاحتياطيات قد تنضب خلال أسابيع.

وتتضاعف المشكلة حين يُضاف إليها تراجع إنتاج الذرة العلفية للموسم الحالي بنسبة 26.7% مقارنةً بعام 2025 وفق مصلحة الإحصاء الزراعي الفرنسية، فيما يعاني إنتاج الذرة الحبية الذي يُشكّل بديلًا محتملًا للأعلاف من أدنى مستوياته منذ عام 1980.

وأشار ميكايل لامي، رئيس الاتحاد الوطني لقطاع الماعز، إلى أن إنتاج الحليب انخفض نحو 15% بسبب ضعف جودة الغذاء وأثر الحرارة على الحيوانات، مستدركًا بأن السؤال الأكبر الذي يؤرق المربين هو: هل سيجدون ما يكفي لإطعام قطعانهم طوال الشتاء؟ وفي سياق الإجابة، أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن الجفاف الأوروبي الشامل يحول دون استيراد القش من الجيران كما جرى إبان جفاف 2003.

فيما قدر باتريك بينيزي، رئيس الاتحاد الوطني لمربي الأبقار، أن تكلفة شراء العلف قد تبلغ بين 3 و4 مليارات يورو على المستوى الوطني، إذ يحتاج كل رأس بقر نحو 5 إلى 6 أطنان من المواد الجافة سنويًا، وشراء نصف هذه الكمية بأسعار السوق يكلف نحو 400 يورو للرأس الواحدة.