تتحول إفريقيا تدريجيًا إلى ساحة رئيسية في مساعي الصين لتعزيز مكانة اليوان كعملة دولية وتقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، مع تزايد عدد المؤسسات المالية الإفريقية المنضمة إلى منظومة المدفوعات الصينية، وتوسع استخدام العملة الصينية في التجارة وتسوية الديون وتمويل المشروعات.
كانت ليبيا أحدث المنضمين إلى هذا المسار، بعدما أجرى محافظ مصرف ليبيا المركزي محادثات في بكين مع محافظ بنك الشعب الصيني الشهر الماضي، انتهت إلى استعداد المصارف الليبية للانضمام إلى نظام الدفع الصيني عبر الحدود CIPS، الذي يمثّل بديلًا لمنظومة سويفت العالمية، بحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" الصادرة من هونج كونج.
تمدد اليوان
ولا تتوقف الخطوة الليبية عند استخدام اليوان في المدفوعات، إذ تخطط طرابلس أيضًا لدخول سوق رأس المال الصينية من خلال إصدار سندات الباندا، وهي سندات مقومة باليوان تطرحها جهات أجنبية في السوق الصينية المحلية.
وقد توفر هذه السندات مصدرًا جديدًا لتمويل إعادة إعمار ليبيا بعد سنوات من الصراع، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تنويع قنوات التمويل والاستفادة من العلاقات الاقتصادية المتنامية مع بكين، وفقًا لما أوردته "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
ولا تعد ليبيا الحالة الوحيدة في القارة، فقد انضمت مؤسسات مالية إفريقية أخرى إلى نظام CIPS، من بينها بنك التصدير والاستيراد الإفريقي، إلى جانب بنك ستاندرد، أكبر بنك في إفريقيا.
وفي يناير الماضي، بدأت زامبيا تحصيل الضرائب والإتاوات من شركات التعدين الصينية باليوان، قبل إعادة توجيه العملة إلى الصين لتمويل الواردات وسداد القروض.
وفي أنجولا، يستعد بنكBanco de Fomento Angola، ثاني أكبر بنك تجاري في البلاد، ليصبح أول مصرف أنجولي ينضم إلى نظام CIPS، مدفوعًا بارتفاع الطلب المحلي على تسوية المعاملات التجارية باليوان مباشرة.
تأتي هذه الخطوة بعدما سمح البنك المركزي الأنجولي للمصارف التجارية باستخدام اليوان لتلبية احتياجاتها من العملات الأجنبية.
كما أبرمت الصين اتفاقيات لمبادلة العملات مع عدد من الدول الإفريقية، من بينها نيجيريا وجنوب إفريقيا، في حين أعادت كينيا هيكلة ديون مرتبطة بخط السكك الحديدية باليوان العام الماضي، بينما تجري إثيوبيا وموزمبيق محادثات بشأن ترتيبات مماثلة.
ويأتي توسيع نطاق نظامCIPS ضمن استراتيجية صينية أوسع لبناء بنية تحتية مالية دولية تعتمد بدرجة أكبر على اليوان.
وفي السياق، يرى المحامي المتخصص في الشركات، كاي شو، أن بكين تسعى تدريجيًا إلى إنشاء نظام عالمي للمدفوعات قائم على اليوان، من خلال توسيع شبكة CIPS وزيادة المعاملات المقومة بالعملة الصينية.
وبحسب هذا التصور، فإن الهدف لا يقتصر على خفض تكاليف المعاملات، بل يمتد إلى تقليل اعتماد التجارة الدولية على الدولار وإنشاء مسار بديل للمدفوعات الدولية.
كما قد يمنح هذا النظام الدول الإفريقية هامشًا أكبر في مواجهة التداعيات المباشرة وغير المباشرة للعقوبات الغربية، إذ يمكن للدول التي تتعامل بكثافة مع الصين استخدام اليوان وقنوات الدفع الصينية لتقليل تعرضها للاضطرابات المرتبطة بالنظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار.
توسيع التعاون التجاري
وتمنح العلاقات التجارية الواسعة بين الصين وإفريقيا بكين قاعدة قوية لتوسيع استخدام اليوان. إذ تعد الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا وأحد أبرز ممولي مشروعات البنية التحتية العملاقة في القارة، فيما سجّل حجم التجارة الثنائية مستويات قياسية خلال العام الجاري.
ويعزز هذا النمو توجه الدول الإفريقية نحو تسوية المعاملات التجارية باليوان، خصوصًا مع زيادة واردات الآلات والمعدات الصناعية ومدخلات الإنتاج الصينية، إلى جانب إتاحة وصول صادرات إفريقية إلى السوق الصينية دون رسوم جمركية في بعض الحالات.
وترى لورين جونستون، المتخصصة في العلاقات الصينية الإفريقية والباحثة في معهد AustChina، أن زيادة استخدام اليوان بدلًا من عملات وسيطة مثل الدولار الأمريكي أو اليورو قد تسهم في تعزيز التجارة، ولو بشكل محدود في البداية.
ويبرز بنك ستاندرد كأحد المحركات الرئيسية لتوسع العملة الصينية في القارة، إذ يملك البنك الصناعي والتجاري الصيني ICBC حصة تبلغ 20% منه.
وبتفويض من بنك الشعب الصيني، يتولى ستاندرد بنك تسوية معاملات باليوان في 19 دولة إفريقية، وأعلن في 27 يوليو أنه عالج معاملات بقيمة 8 مليارات يوان، أي نحو 1.2 مليار دولار، عبر نظام CIPS منذ أواخر العام الماضي.
وفي كينيا، دخل بنك ستانبيك، التابع لستاندرد بنك، في شراكة مع ICBC لإطلاق خدمة مباشرة لتسوية المدفوعات باليوان، بما يسمح للتجار المحليين بإتمام صفقات التجارة العابرة للحدود مع الصين دون المرور بالدولار الأمريكي.