تعيش عائلات مهاجرة في الولايات المتحدة حالة من الاضطراب المتزايد، في ظل تشديد إدارة الرئيس دونالد ترامب إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، ما يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات مصيرية تتراوح بين مغادرة البلاد، ووضع ترتيبات قانونية لرعاية الأطفال، والاختباء في المنازل، وحتى التفكير في التنازل عن رعاية أطفال لم يولدوا بعد.
مستقبل مخيف
ومن بين أكثر القرارات قسوة، ما واجهته إيما كونسيسور، وهي مهاجرة مكسيكية تبلغ 39 عامًا وأم لأربعة أطفال، إذ فكرت في أثناء حملها في عرض طفلها للتبني خوفًا من أن يتأثر مستقبله بمحاولات إدارة ترامب إنهاء حق الجنسية بالولادة.
لكن المحكمة العليا الأمريكية قضت في 30 يونيو بأن التعديل الرابع عشر للدستور يضمن حق الجنسية بالولادة، في حكم أنهى مخاوف كونسيسور بشأن مستقبل طفلها، وقالت إنها شعرت بالارتياح بعد أن كانت تعاني الأرق والقلق طوال فترة الحمل.
خطط احتياطية
وفي أسر أخرى، انتقل الخوف من مستقبل الأطفال إلى الاستعداد لاحتمال انفصالهم عن آبائهم، ففي ولاية ماريلاند وقَّعت أم من السلفادور وثائق قانونية تعيّن قسًا في كنيسة محلية وصيًا مؤقتًا على ابنها البالغ 7 سنوات، في حال تعرضت هي وزوجها للاحتجاز أو الترحيل.
وقال القس فيدال ريفاس إنه "أصبح وصيًا احتياطيًا لما لا يقل عن 31 طفلًا، بعدما لجأ إليه آباء يخشون فقدان القدرة على رعاية أطفالهم نتيجة إجراءات الهجرة".
وتشير تحقيقات صحفية إلى أن أكثر من 100 طفل أمريكي الجنسية تُركوا دون آبائهم بعد إجراءات لإنفاذ قوانين الهجرة، واضطر بعضهم إلى الإقامة لدى أقارب أو أصدقاء، بينما دخل آخرون نظام الرعاية البديلة.
الرحيل قبل الترحيل
ولجأت عائلات أخرى إلى مغادرة الولايات المتحدة طوعًا قبل أن تواجه احتمال الاعتقال أو الترحيل. ومن بينها عائلة عبديل وأديلين دومينجيز، اللذان أمضيا معظم حياتهما في ولاية مينيسوتا، وتزوجا وأنجبا أربعة أطفال واشتروا منزلًا وأسسوا كنيسة.
ومع تصاعد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، قررت الأسرة بيع منزلها وسياراتها وممتلكاتها والانتقال إلى المكسيك، وبعد سبعة أشهر واجه الوالدان وأطفالهما صعوبات في التكيف مع الحياة في بلد لم يعد مألوفًا لهم.
خوف ممتد
ولا تقتصر التداعيات على المهاجرين غير الشرعيين، إذ دفعت المخاوف عائلات تضم مواطنين أمريكيين أيضًا إلى إعادة النظر في مستقبلها.
وفي بيتسبرج، قررت عائلة مكونة من أب مكسيكي غير موثق وزوجته الأمريكية وأطفالهما الثلاثة المولودين في الولايات المتحدة الانتقال إلى المكسيك، خشية تعرض الأب للاحتجاز وعدم عودته إلى المنزل.
حياة خلف الأبواب
أما المهاجرون الذين اختاروا البقاء، فتتغير حياتهم اليومية تدريجيًا تحت وطأة الخوف، فقد تجنب بعضهم الذهاب إلى العمل أو المتاجر والكنائس، فيما أبقى آخرون أطفالهم في المنازل بدلًا من إرسالهم إلى المدارس.
وفي مدن مثل مينيابوليس ونيو أورلينز، تراجعت حركة متاجر ومطاعم كانت تعج بالزبائن مع تصاعد عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، كما شهدت منطقة "ليتل هايتي" في بروكلين تراجعًا في النشاط التجاري بعد إنهاء الحماية المؤقتة الممنوحة لعدد من المهاجرين الهايتيين.
وتحذر قيادات مجتمعية من امتداد هذه التداعيات إلى المستشفيات ودور رعاية المسنين وخدمات الرعاية المنزلية، حيث يعمل عدد كبير من المهاجرين.
وبذلك، لا تقتصر تداعيات حملة ترامب على احتمال الترحيل، بل تمتد إلى إعادة تشكيل قرارات الأسر بشأن السكن والعمل والتعليم ومستقبل الأطفال، في تحول هادئ يعيد رسم تفاصيل الحياة اليومية لمجتمعات مهاجرة واسعة في الولايات المتحدة.