تطرح الهجمات الإلكترونية المتزايدة على البنية التحتية الأمريكية سؤالًا يتجاوز حدود الأمن السيبراني التقليدي، ويتعلق بطبيعة الحرب نفسها، في ظل اعتماد متسارع على الذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة والشبكات الرقمية التي تدير قطاعات حيوية من الحياة اليومية.
إرث أينشتاين
وفي مقال رأي نشرته صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، يُطرح تصوُّر مفاده أن الولايات المتحدة ربما دخلت بالفعل مرحلة مختلفة من الصراع، لا تعتمد على القنابل والصواريخ، وإنما على اختراق شبكات المياه والكهرباء والمال والنقل والاتصالات، إلى جانب التلاعب بالمعلومات واستغلال التكنولوجيا ضد المجتمع.
ويستند هذا التصور إلى فرضية أن الحرب المقبلة لن تحتاج إلى تدمير المدن والبنية التحتية، لأن الخصم يمكنه تعطيلها والسيطرة عليها وتركها صالحة للاستخدام، بينما تتعرض الدولة المستهدفة للشلل من الداخل.
منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، نُسب إلى ألبرت أينشتاين القول: "لا أعرف بأي أسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة"، وبغض النظر عن الصياغة الدقيقة ونسبة المقولة إليه، فقد عكست رؤيته المتشائمة لعالم ما بعد حرب عالمية ثالثة.
لكن المقال يطرح احتمالًا مختلفًا، يتمثل في أن خصوم الولايات المتحدة قد يتجاوزون الأسلحة والتكتيكات التقليدية التي يُتصوَّر استخدامها في حرب عالمية ثالثة، ويتجهون إلى أنظمة متقدمة لم تكن متخيلة، طُورت لتناسب حربًا من نوع مختلف.
في هذا السيناريو، لن تكون الرؤوس النووية والصواريخ الباليستية وسحب الدخان الناتجة عن الانفجارات ضرورية، كما لن تكون هناك حاجة إلى حرق عشرات الملايين ثم وفاة عشرات الملايين بسبب التلوث الإشعاعي.
حرب رقمية
الأهم بالنسبة إلى خصم يريد الحفاظ على الأراضي والأصول التي سيحتاج إليها لاحقًا، أن الحرب لن تتطلب تدمير المدن والقواعد العسكرية والبنية التحتية بصورة كاملة، ويمكن أن تتحول الشبكات الرقمية إلى ساحة المعركة الرئيسية.
وأشار المقال إلى الصين مثالًا على خصم رئيسي يمكن أن يرى في النهاية قيمة الأصول والبنية التحتية والأراضي الخصبة الأمريكية، ويفضل التخلي عن حرب نووية شاملة لصالح حرب عالمية تُخاض بصورة رئيسية باستخدام لوحات الفأرة وعصي التحكم.
وفي هذا التصور، ينظر جنرال يمثل اللجنة العسكرية المركزية الصينية من قلب بكين إلى لوحة أمامه، ويقدم للرئيس شي جين بينج تقريرًا عن نتائج هجوم مفاجئ على الولايات المتحدة في الحرب العالمية الرابعة، من دون أن تتضمن مذكراته أي إشارة إلى القنابل أو الصواريخ.
شلل البنية
تتضمن الخطة المتخيلة مجموعة من الهجمات الإلكترونية المدمرة، تبدأ بقطع إمدادات المياه وشبكة الكهرباء، ثم إثارة الذعر من خلال اختراق النظام المالي الأمريكي أو شن هجوم فدية واسع النطاق يجعل أرصدة مستخدمي أجهزة الصراف الآلي وحساباتهم الاستثمارية تبدو فارغة.
ويمتد السيناريو إلى أنظمة النقل، من نظام "إي زد باس" إلى السيارات ذاتية القيادة وخطوط قطارات الركاب وأنظمة مراقبة الحركة الجوية، بهدف شل حركة السفر الداخلي في الولايات المتحدة.
كما تستهدف الهجمات سلسلة التوريد الأمريكية عبر اختراق أنظمة الحاسوب الحيوية للسكك الحديدية والشحن، إلى جانب تعطيل الأقمار الصناعية الأمريكية الموجودة في المدارات المنخفضة والمتزامنة مع الأرض.
حرب المعلومات
في الوقت نفسه، تُنشر مقاطع فيديو مزيفة وواقعية مولدة بالذكاء الاصطناعي لبث البلبلة، مثل مقاطع تظهر القادة الأمريكيين وهم يصابون بالذعر ويدعون إلى الاستسلام، أو ينطقون بعبارات تؤدي إلى فقدان مصداقيتهم أمام الجمهور.
ثم في الخطوة الأولى لحرب فعلية وفق السيناريو، تُنشر ملايين الطائرات المُسيَّرة المتمركزة مسبقًا في البحر والبر داخل الولايات المتحدة ومحيطها، بهدف القضاء على أي مقاومة.
وفي النهاية، يصل السيناريو إلى التفاوض على استسلام الولايات المتحدة غير المشروط، بعد أن تكون الهجمات الإلكترونية وحرب المعلومات والأنظمة المؤتمتة قد أضعفت قدرتها على الاستجابة.
خطر قائم
لا يصف المقال هذا السيناريو بأنه خيال علمي أو فانتازيا، بل يشير إلى أن كل نوع من الهجمات الإلكترونية وهجمات التلاعب الاجتماعي التي استهدفت الولايات المتحدة وبنيتها التحتية الحيوية ونفسية مواطنيها كان ثمرة سنوات من التخطيط.
ويشير إلى أن هذه الهجمات تخضع للاختبار بصورة دورية، ويجري تحسينها باستخدام الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن الأدلة على ذلك موجودة في أماكن كثيرة حول الولايات المتحدة.
وجاء أحدث تذكير بهذا الخطر، وفق المقال، عندما قامت إيران -على ما يبدو- باختراق أنظمة المياه في 12 ولاية على الأقل.
وقبل أسبوعين فقط، حذرت السلطات الفيدرالية من أن مخربين شنوا هجمات إلكترونية على البنية التحتية لأنظمة المياه والصرف الصحي في سبع ولايات على الأقل، وقالت إن بعض هذه الأنشطة أدى إلى تدهور عمليات المياه.
ويشير المقال إلى أن الجيش المؤتمت إلى حد كبير، والعملة الرقمية، والمركبات الكهربائية ذاتية القيادة المزودة بمفاتيح إيقاف تلقائي، والمرافق التي يديرها الذكاء الاصطناعي، كلها وسائل راحة تجعل المجتمع أكثر عرضة للخطر.
أسلحة قابلة للاختراق
ومن أبرز التحذيرات تقرير صدر عام 2018 عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، حذر من أن أنظمة الأسلحة الأمريكية قابلة للاختراق بسهولة، وتناول التقرير (المؤلف من 50 صفحة) ثغرات أمنية بالغة الأهمية في جميع أنظمة الأسلحة التي جرى اختبارها تقريبًا بين عامي 2012 و2017.
ويرى المقال أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر اعتمادًا على تقنياتها المتطورة خلال العقد الماضي، وهو ما يجعل تجاهل نقاط الضعف أكثر خطورة مع اتساع نطاق الاعتماد على الأنظمة الرقمية.
ولا يتوقف السيناريو عند احتمال اندلاع حرب عالمية رابعة، إذ يطرح النص احتمالًا أكثر قتامة، يتمثل في أن يتوصل الذكاء الاصطناعي نفسه بصورة مستقلة إلى استنتاج مفاده أن البشر يقفون عائقًا أمام مستقبله المتطور.
وبينما يتأمل الكاتب هذا المستقبل الذي يقترب بسرعة، يستحضر المثل القائل: "في بلاد العميان، الأعور ملك"، قبل أن يقترح صياغة أخرى بأن القول الأنسب قد يكون: "في بلاد التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي، تبقى المدن والأصول التي تمتلك التكنولوجيا البدائية هي التي تنجو".