الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الحر يشل أوروبا.. قطارات ملغاة وطرق بائسة وفوضى في التنقل

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

قضبان تنحني في السويد، وطرق سريعة تتشقق في ألمانيا، وركاب يتصببون عرقًا في عربات قطارات تخلو من أي تكييف، هذا هو المشهد الذي رصدته صحيفة "نيويورك تايمز" خلال الموجة الحارة الخامسة التي تضرب غرب أوروبا منذ مايو الماضي، مُسلطةً الضوء على قارة تعيش على بنية تحتية صُمِمت لمناخ لم يعد موجودًا.

عبء الماضي

وصف باتريس جيوفرون، رئيس فريق اقتصاديات الطاقة والمناخ في جامعة باريس دوفين، هذا الواقع بعبارة صريحة نقلتها نيويورك تايمز: "أنظمة النقل الأوروبية صُمِمت لمناخ لم يعد موجودًا.. فكثير من هذه الشبكات يعود عمرها لعقود أو قرون".

ويُشير إيان مولكاهي، المدير العالمي لمشروعات المدن في شركة Gensler للعمارة والتخطيط، إلى أن مترو لندن -الذي يعد أعرق أنظمة الأنفاق في العالم والذي افتُتح عام 1863- لا يزال يعتمد جزئيًا على بنية تحتية متقادمة، فيما تخلو غالبية عربات القطارات الأوروبية من التكييف، في قارة اعتادت تاريخيًا صيفًا معتدلًا لم يستدعِ الاستثمار فيه.

ويرى "مولكاهي" أن التحدي الحقيقي يكمن في السؤال الذي لا إجابة سهلة له: "كيف نعود ونُكيِّف بنيتنا التحتية بأثر رجعي لعصر جديد؟".

ثلاثة أوجه متشابكة

تتجلى أخطر تداعيات الحرارة في شبكة القطارات بثلاثة أوجه متشابكة، رصدتها "نيويورك تايمز" بالتفصيل، أولها انحناء القضبان المعدنية تحت وطأة التمدد الحراري، في ظاهرة باتت تُعرف بـ"منحنى الشمس"، ويُعتقد أنها أسفرت في يونيو الماضي عن خروج قطار شحن عن مساره في السويد، وفق ما أكدته إدارة النقل السويدية.

وفي جنوب إنجلترا، خرج قطار عن القضبان قرب مدينة لويس مُخلفًا مصابين، في اليوم الأشد حرارة لهذا الصيف، وإن كان المحققون لم يُؤكدوا بعد صلة الحادثة بالحرارة، غير أن النائب جيمس ماكليري صرح لـ"راديو تايمز" بأن "قيودًا على السرعة فُرضت في المنطقة مؤخرًا ارتبطت مباشرة بدرجات الحرارة".

أما الوجه الثاني فهو الكوابل الهوائية الموصِّلة للكهرباء، إذ تتمدد هي الأخرى وتترهل في الحرارة، وحين تمس عربة متحركة قد تُفضي إلى انقطاع كهربائي يتسلسل في الشبكة بأكملها، وهو ما وقع بالفعل في هولندا الشهر الماضي، مُعطِّلًا حركة القطارات بين بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا، بحسب جيوفرون.

وتُنبه الأستاذة جنيفر سكولينج، من جامعة "أنجليا راسكن" ومديرة مركز DARe لأبحاث تأثير المناخ على النقل، إلى مفارقة خطيرة، وهي أنه إذا انقطع التيار الكهربائي داخل عربة مغلقة النوافذ تحت شمس حارقة، فقد تتحول إلى فخ حراري قاتل، دون أن يخطر ببال الركاب استخدام المطارق الطارئة لكسر الزجاج كما يفعلون في حالات الحريق.

حلول مؤقتة لأزمة هيكلية

في مواجهة هذا الواقع، تلجأ دول أوروبية إلى حلول مؤقتة تكسب الوقت دون أن تعالج الجذور، إذ لجئت بريطانيا لدهان قضبانها في النقاط الأكثر سخونة باللون الأبيض لعكس أشعة الشمس وخفض الحرارة، فيما طوَّرت بعض الشبكات الحديثة كوابل ذكية تتكيف تلقائيًا مع تقلبات درجات الحرارة.

غير أن الأستاذ فرانسوا جيمين، المدير الأكاديمي لبرنامج الاستدامة في مدرسة HEC الباريسية للأعمال، يضع هذه الحلول في سياقها الحقيقي: "يمكنك ربح بضع سنوات بذلك، لكن في نهاية المطاف ستحتاج إلى قضبان تتحمل درجات حرارة أعلى بكثير".

والأمر ذاته ينطبق على الطرق، إذ إن أسفلت مدينة لايبزيج الألمانية ذاب حتى التصق بقضبان الترام وأوقف حركته، فيما تشققت طرق سريعة ألمانية مُجبِرة السلطات على إغلاقها جزئيًا، ولجأت بعض شوارع إنجلترا إلى رش الرمال لمنع تلاصق الأسفلت الذائب بالإطارات، وهو حل لا يخلو هو الآخر من مخاطر، إذ تُحذر سكولينج من أن الإفراط في الرمل قد يتحول الطريق معه إلى مزلق.

أزمة تمويل لا تقنية

تكشف الصحيفة عن أن الحلول التقنية متاحة في معظمها، لكن العائق الفعلي هو المال، إذ تُنفق لندن وحدها نحو 4.6 مليار دولار لاستبدال عربات خط "بيكاديلي" بأخرى مكيفة، وهو خط واحد من أصل 11 تحت الأرض، فيما كلف خط "إليزابيث" المكيف الذي افتُتح عام 2022 نحو 25.5 مليار دولار.

ويلخص الأستاذ فيليكس كرويتزيج، من جامعة ساسكس ومعهد بوتسدام لأبحاث المناخ، المعضلة في جملة واحدة نقلتها نيويورك تايمز: "التحدي الأكبر ليس الحرارة، بل التمويل ذاته"، في إشارة إلى حكومات أوروبية تُقدم الإنفاق الدفاعي على الاستثمار في بنيتها التحتية المتهالكة.

وتختم سكولينج المشهد بعبارة تُلخص حجم الأزمة: "نحن في مأزق حقيقي، تداعيات التغير المناخي تسير بوتيرة أسرع مما كنا نتوقع".