يشهد طريق بحر الشمال، الممر الملاحي الممتد لنحو 3500 ميل بمحاذاة الساحل القطبي الروسي، تصاعدًا في حركة التجارة بين الصين وروسيا، في مؤشر على تنامي التعاون الاقتصادي بين البلدين، وسط اهتمام غربي متزايد بالتداعيات الإستراتيجية والعسكرية لهذا المسار الواقع في منطقة تشهد تنافسًا متصاعدًا بين القوى الكبرى.
وتُظهر بيانات الملاحة أن حركة العبور الدولية في الطريق، منذ بدء الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا، باتت تهيمن عليها التجارة مع الصين، خصوصًا شحنات النفط والغاز الروسي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تبحث فيه بكين عن تعزيز أمن الطاقة وتنويع طرق التجارة، بينما تسعى موسكو إلى تعويض تراجع حضور الشركات الغربية في قطاع الطاقة والبنية التحتية القطبية، وفقًا لشبكة "سي إن إن" الأمريكية.
شحنات روسية إلى الصين
برز طريق بحر الشمال كمسار سريع لنقل الغاز الروسي الخاضع للعقوبات الأمريكية إلى الصين، وأظهرت بيانات ملاحية وصور أقمار اصطناعية عمليات نقل بين سفن روسية ووحدات تخزين عائمة قرب شبه جزيرة كامتشاتكا، قبل توجه الشحنات إلى موانئ صينية.
كما ارتفعت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال الروسي بنحو 28% خلال النصف الأول من العام من حيث الحجم، في وقت أدت فيه الحرب الأمريكية الإيرانية إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
طريق الحرير القطبي
تتقاطع مصالح موسكو وبكين في تطوير الطريق، إذ لطالما نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إليه باعتباره شريانًا تجاريًا رئيسيًا يمكن أن يعزز الاستثمار في الموانئ وحقول النفط والغاز الروسية.
أما الرئيس الصيني شي جين بينج، فقد طرح عام 2018 مفهوم "طريق الحرير القطبي"، باعتباره امتدادًا لمبادرة "الحزام والطريق" إلى المنطقة القطبية، بهدف تعزيز الروابط التجارية الصينية مع روسيا وأوروبا.
ورغم أن الاستثمارات الصينية الكبرى في البنية التحتية القطبية لم تتحقق بالمستوى المتوقع، فإن الحرب في أوكرانيا وانسحاب شركات غربية من المنطقة أتاحا لبكين فرصة لتوسيع حضورها تدريجيًا.
مخاوف غربية
تثير التطورات مخاوف في الولايات المتحدة وأوروبا من تحول التعاون الاقتصادي الصيني الروسي في القطب الشمالي إلى تعاون أمني وعسكري.
وحذرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من إمكانية استخدام الصين طرق الإمداد والشحن القطبية لأغراض إستراتيجية، بينما دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إلى تنسيق الجهود لمواجهة تزايد وصول روسيا والصين إلى المنطقة.
كما شهد عام 2024 تدريبات مشتركة بين روسيا والصين في شمال المحيط الهادئ، بينها نشاط لقاذفات إستراتيجية ودورية مشتركة لخفر السواحل في مياه القطب الشمالي.
وتثير أنشطة الأبحاث الصينية مخاوف إضافية، بعدما أرسلت بكين أسطولها القطبي المتنامي في بعثات علمية شملت استخدام غواصات ومركبات تحت الجليد، وسط تحذيرات من إمكانية استفادة الجيش الصيني من البيانات التي تجمعها هذه البعثات.
طريق محفوف بالمخاطر
رغم الطموحات المتزايدة، لا يزال طريق بحر الشمال يواجه عقبات كبيرة، أبرزها قصر موسم الملاحة، وتقلب الظروف الجليدية، والحاجة في كثير من الحالات إلى كاسحات جليد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والمخاطر البيئية.
لكن ذوبان الجليد المتوقع خلال العقود المقبلة قد يطيل موسم الملاحة ويفتح مسارات جديدة عبر القطب الشمالي، وترى الصين أن شركاتها التي راكمت خبرة مبكرة في الطريق قد تتمتع بميزة تنافسية في حال اتسعت حركة الملاحة مستقبلًا.
وبينما تسعى موسكو إلى تحويل الطريق إلى شريان تجاري عالمي، ترى بكين فيه فرصة لتعزيز أمن الطاقة وتوسيع نفوذها القطبي، ما يجعل الممر البحري الناشئ أحد أبرز ساحات التقارب بين البلدين والتنافس الجيوسياسي في الشمال.