رفعت عدة ولايات ألمانية ذات ثقل اقتصادي، الحظر المفروض على قيادة الشاحنات، في إجراء طارئ يهدف إلى الحد من اضطرابات حركة التجارة الناجمة عن الانخفاض التاريخي في مستويات المياه بنهر الراين، بعدما تراجعت المياه في منطقة كاوب، وهي نقطة اختناق رئيسية للملاحة بين ماينتس وكوبلنز، إلى مستويات قياسية هذا الأسبوع.
وسجلت مستويات المياه في كاوب نحو ثلث المستوى الذي بلغته خلال أدنى مستوى قياسي سابق في عام 2018، في وقت تُمثِّل فيه الملاحة النهرية نحو 5% فقط من إجمالي البضائع المنقولة في ألمانيا، لكن القيود المفروضة على حركة السفن في الراين تزيد الضغوط على أكبر اقتصاد في أوروبا؛ نظرًا للدور الحيوي الذي يؤديه النهر في نقل الفحم والنفط الخام والمعادن والخامات، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
مستويات قياسية
حذرت رابطة الملاحة الداخلية الألمانية من أن مستويات المياه قد تنخفض قريبًا إلى درجة تجعل الملاحة على امتداد نهر الراين بالكامل مستحيلة، مع استمرار موجة الحر الخامسة التي تشهدها أجزاء واسعة من أوروبا هذا العام، وقال الرئيس التنفيذي للرابطة ينس شفانن، إن النهر قد يصبح غير صالح للملاحة على امتداده بالكامل، ما قد يؤدي عمليًا إلى تقسيمه إلى قسمين.
وفي الوقت نفسه، ظلت بعض أجزاء النهر قابلة للملاحة، إذ يمكن للسفن مواصلة العمل بين بحر الشمال ومنطقة كولونيا، إضافة إلى الجزء الجنوبي وصولًا إلى نهر ماين، لكن العبّارة التي تعبر الراين في كاوب أوقفت عملياتها، مساء الاثنين؛ بسبب انخفاض مستويات المياه، بينما ارتفعت أسعار نقل البضائع إلى مستويات تقترب من أعلى معدلاتها خلال 15 عامًا، وفقًا لوكالة "أرجوس" المتخصصة في تسعير الشحن.
تحرك ألماني
سمحت أربع ولايات غربية، هي: شمال الراين، وستفاليا وسكسونيا السفلى، وراينلاند-بفالتس، وسارلاند، للشاحنات بالسير، يوم الأحد، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وتضم هذه الولايات عددًا كبيرًا من الشركات الصناعية الألمانية التي تعتمد على نهر الراين والممرات المائية الداخلية الأخرى في نقل المواد والبضائع، بينما أعلنت ولاية بادن-فورتمبيرج، ثالث أكبر الولايات الألمانية من حيث عدد السكان، أنها ستُعلّق الحظر المفروض على الشاحنات اعتبارًا من الأحد المقبل.
وأضافت وزيرة النقل في بادن-فورتمبيرج، نيكول رازافي، أن استمرار انخفاض مستويات المياه يفرض تحديات كبيرة على الملاحة الداخلية، مشيرة إلى أن الشركات ستحتاج إلى الاعتماد على وسائل نقل أخرى، فيما سيظل تعليق الحظر ساريًا، في الوقت الحالي، حتى نهاية أغسطس.
ضغوط اقتصادية
وصف كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك "آي إن جي"، نهر الراين، بأنه جزء من البنية التحتية الصناعية التي بُني حولها جزء كبير من الصناعة الألمانية، مُحذرًا من أن تعطل حركة الملاحة قد تكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد.
وحذر "آي إن جي" من أن اضطرابات الملاحة في الراين قد تخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنحو 0.3 نقطة مئوية خلال العام الحالي، وهو ما يعادل نحو نصف معدل النمو البالغ 0.5% الذي توقعه البنك المركزي الألماني لعام 2026، بعد تعديل الحسابات، وفقًا لاختلاف عدد أيام العمل بين العامين الحالي والسابق.
بدائل النقل
اضطُرت شركات صناعية ألمانية بالفعل إلى البحث عن بدائل للنقل النهري، وقالت إيفا شيرر، المديرة المالية لشركة "دايملر للشاحنات"، إن الشركة رتّبت وسائل نقل بديلة لتسليم أحدث طرازاتها عبر الطرق بدلًا من نهر الراين؛ لضمان وصول الطلبات إلى العملاء في موعدها.
وفي قطاع الصناعات الكيماوية، حذرت شركة "باسف"، التي تدير عددًا من مصانعها على ضفاف الراين، من أنها لا تستبعد إعلان حالات قوة قاهرة أو حدوث نقص في بعض المنتجات؛ نتيجة تعقيد شبكات الإنتاج التي يمكن أن يؤدي فيها فقدان مادة خام واحدة إلى آثار متتالية على عمليات التصنيع.
إضافة إلى ذلك، أظهرت بيانات هيئة الأرصاد الجوية الألمانية أن معدلات هطول الأمطار كانت أقل من المتوسط في معظم أنحاء البلاد منذ مارس، ما يزيد المخاوف من استمرار انخفاض مستويات المياه وتأثيره في حركة التجارة والصناعة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني بالفعل ضغوطًا مرتبطة بضعف النمو وارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة الصناعية.